محمد الغزالي
158
فقه السيرة ( الغزالي )
ولا تحسبنّ مصعبا رضي اللّه عنه كأولئك المرتزقة من المبشرين ، الذي دسّهم الاستعمار الغربي بين يدي زحفه على الشرق ، فترى الواحد منهم يقبع تحت سرير مريض ليقول له : هذه القارورة تقدمها لك العذراء ! وهذا الرغيف يهديه إليك المسيح ! . وربّما فتح مدرسة ظاهرها الثقافة المجرّدة ، أو ملجأ ظاهره البرّ الخالص ، ثم لوى زمام الناشئة من حيث لا يدرون ، ومال بهم حيث يريد . . ! ! . هذا ضرب من التلصّص الروحي يتوارى تحت اسم الدعوة إلى الدين ، والذين يمثّلون هذه المساخر يجدون الجرأة على عملهم من الدول التي تبعث بهم ، فإذا رأيت إصرارهم ومغامراتهم فلا تنس القوى التي تساند ظهورهم في البر والبحر والجو . أما مصعب رضي اللّه عنه فكان من ورائه نبيّ مضطهد ، ورسالة معتبرة ضد القانون السائد ، وما كان يملك من وسائل الإغراء ما يطمع طلاب الدنيا ونهّازي الفرص ، كل ما لديه ثروة من الكياسة والفطنة ، قبسها من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإخلاص للّه ، جعله يضحّي بمال أسرته وجاهها في سبيل عقيدته . . ثم هذا القران الذي يتأنّق في تلاوته ، ويتخيّر من روائعه ما يغزو به الألباب ، فإذا الأفئدة ترقّ له ، وتنفتح للدين الجديد . وعاد مصعب رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة قبيل الموسم الحافل ، يخبره بما لقي الإسلام من قبول حسن في يثرب ، ويبشّره بأنّ جموعا غفيرة دخلت فيه عن اقتناع مسّ شغافهم ، وبصر أنار أفكارهم ، وسوف يرى من وفودهم بهذا الموسم ما تقر به العين .