محمد الغزالي

146

فقه السيرة ( الغزالي )

وعلامة صدق الصلاة أن تعصم صاحبها من الدنايا ، وأن تخجله من البقاء عليها إن ألمّ بشيء منها . فإذا كانت الصلاة - مع تكرارها - لا ترفع صاحبها إلى هذه الدرجة ؛ فهي صلاة كاذبة . « الصلاة طهور » « 1 » ، كما جاء في السنّة : إلا أنّها طهور للإنسان الحيّ ، لا للجثة العفنة . إنّ التطهير يزيل ما يعلق بالقلب الحيّ من غبار عارض ، والأعراض التي تلحق المرء في الحياة فتصدئ قلبه كثيرة ، ومطهّراتها أكثر ! . وفي الحديث : « فتنة الرّجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره ، يكفّرها الصيام ، والصّلاة ، والصدقة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » « 2 » . أمّا أصحاب القلوب الميتة فالصلاة لا تجديهم فتيلا . . ولن يزالوا كذلك حتى تحيا قلوبهم أو يواريها الثرى . . [ صور شتى لأجزية الصالحين والطالحين ] : وقد رويت سنن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى في هذه الرحلة صورا شتى لأجزية الصالحين والطالحين ، وتناقلت كتب السيرة رواية هذه الصور الجليلة على أنّها وقعت ليلة الإسراء والمعراج . والحقّ أنّ ذلك كان رؤيا منام في ليلة أخرى من الليالي المعتادة ، كما ثبت ذلك في الصحاح « 3 » .

--> ( 1 ) لا أعرفه بهذا اللفظ ، وكأن المؤلف ذكره بالمعنى ، ومما جاء فيه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كلّ يوم خمس مرات ؟ هل يبقى من درنه شيء ؟ » قالوا : لا يبقى من درنه شيء ، قال : « فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللّه بهن الخطايا » أخرجه البخاري : 2 / 9 ؛ ومسلم : 2 / 131 - 132 ، من حديث أبي هريرة ؛ ومسلم والبخاري في ( أفعال العباد ) ، ص 94 ، من حديث جابر . ( 2 ) حديث صحيح ، من رواية حذيفة بن اليمان ، أخرجه البخاري : 2 / 6 ؛ ومسلم : 7 / 172 . ( 3 ) يشير إلى حديث سمرة بن جندب عند البخاري في أماكن من صحيحه ؛ منها : ( الجنائز ) و ( الرؤيا ) ؛ وأحمد أيضا في المسند : 5 / 1408 ، ولكن هذا لا ينفي أن يكون صلى اللّه عليه وسلم رأى ليلة الإسراء بعض الأجزية ، بل هذا هو الواقع كما في حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه مرفوعا : « لما عرج بي ربي عز وجلّ مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم -