محمد الغزالي

139

فقه السيرة ( الغزالي )

فالإسراء حقّ . . وهو - عنده - روحيّ لا مادي ، ولكنه في اليقظة لا في المنام ، فليس رؤيا صادقة كما يرى البعض ، بل هو حقيقة واقعة على النحو الذي صوّره ، ثم قال فيه بعدئذ : « وليس يستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانية » . والحق أن الحدود بين القوى الروحية والقوى المادية أخذت تضمحلّ وتزول ، وأن ما يراه الإنسان ميسورا في عالم الروح ليس بمستوعر في عالم المادة . وأحسب أنه بعد ما مزّق العلم من أستار عن أسرار الوجود ؛ فإنّ أمر المادة أضحى كأمر الروح ، لا يعرف مداه إلا قيوم السماوات والأرض . وإنّ الإنسان ليقف مشدوها ، عندما يعلم أنّ الذرة تمثل في داخلها نظام المجموعة الشمسية الدوّارة في الفلك ، وأنها - وهي هباءة تافهة - تكمن فيها حرارة هائلة عندما أطلقت أحرقت الأخضر واليابس . إنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم أسري به وعرج ؛ كيف ؟ هل ركب الة تسير بأقصى من سرعة الصوت كما اخترع الناس أخيرا ؟ . لقد امتطى البراق ، وهو كائن يضع خطوه عند أقصى طرفه ، كأنّه يمشي بسرعة الضوء ، وكلمة ( براق ) يشير اشتقاقها إلى البرق ، أي أنّ قوة الكهرباء سخّرت في هذه الرحلة . لكنّ الجسم - في حالته المعتادة - يتعذّر عليه التنقّل في الآفاق بسرعة البرق الخاطف ، لا بدّ من إعداد خاصّ ، يحصّن أجهزته ومسامّه لهذا السفر البعيد . وأحسب أنّ ما روي عن شقّ الصدر ، وغسل القلب وحشوه ، إنّما هو رمز هذا الإعداد المحتوم . . وقصة الإسراء مشحونة بهذه الرموز ، ذات الدلالة التي تدقّ على السّذّج . إنّ الإسراء والمعراج وقعا للرسول عليه الصلاة والسلام بشخصه في طور بلغت الروح فيه قمة الإشراق ، وخفّت فيه كثافة الجسد حتى تفصّى من أغلب القوانين التي تحكمه . واستكناه حقيقة هذه الرحلة ، وتتبّع مراحلها بالوصف الدقيق ، مرتبط بإدراك العقل الإنساني لحقيقة المادة والروح ، وما أودع اللّه فيهما من قوى وخصائص .