محمد الغزالي

128

فقه السيرة ( الغزالي )

فسمعت قعقعة تحت البول ، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة ، فأخذتها وغسلتها ، ثم أحرقتها ، ورضضتها ، وسففتها بالماء ، فقويت بها ثلاثا . فانظر كيف انتهى الحصار بالمسلمين ؟ ! وكيف أضناهم الحرمان ، وألجأهم أن يطعموا ما لا مساغ له ؟ ! . وقد أحزنت تلك الآلام بعض ذوي الرحمة من قريش ، فكان أحدهم يوقر البعير زادا ، ثم يضربه في اتجاه الشعب ويترك زمامه ليصل إلى المحصورين ، فيخفّف شيئا مما بهم من إعياء وفاقة . . كم بقيت هذه الضائقة ؟ ثلاث سنين كالحة ، كان رباط الإيمان واحده هو الذي يمسك القلوب ، ويصبّر على اللأواء . . ومن الطبيعي أن يستعجل المسلمون الخروج من هذه المآزق ، لطالما وعدوا بالنصر والتمكين ، فما وجدوا إلا الرّوع والسّغب ! وها هم أولاء محرجون في أرض تنكرت لهم ، واقشعرّت تحت أقدامهم ، ولا ريب أنّ قلوبهم امتلأت غيظا على أولئك المشركين ، الذين سخروا من جميع القيم الفاضلة ، وكفروا بانتصارها في الدنيا كفرهم بمجيء اليوم الآخر ، ولو لم يطلب أولئك المعذّبون النصر لينقذهم من بأسائهم ، لطلبوه كي يخزوا به المكذّبين ويؤدّبوا المتوقحين ، بيد أنّ الوحي كان ينزل فيطالب المسلمين باليقين والثبات ، دون ارتقاب لهذه النتائج المتوقعة ، يجب أن يجمدوا على حقائق الإيمان التي عرفوها ، وأن يستمدّوا من سموّها وصدقها ما يراغمون به الأيام والأحداث : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ( 46 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 47 ) [ يونس ] . وكان المشركون أيضا يتعجّلون خاتمة الصراع بينهم وبين أولئك المسلمين ؛ يتعجّلون لأنّهم يضحكون منها ، فما يثقون ببعث أو جزاء ، ولا يظنّون أبدا أن يوما قريبا أو بعيدا سينشق فجره ، فإذا مكة خالية من الأصنام ، وإذا أذان التوحيد يرنّ في أرجائها ، وإذا المحصورون في الشّعب هم أصحاب الأمر والنهي ، والسادة الحاكمون بأمرهم اليوم أسرى يرجون العفو ! ! وكان يقينهم من أنّ اليوم والغد لهم يزين لهم الاستهزاء بهذا الوعد والتعريض به : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 49 ) قُلْ