محمد الغزالي

119

فقه السيرة ( الغزالي )

الهجرة إلى الحبشة كان الرحيل إلى الحبشة تسلّلا في الخفاء ، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه ، ولم يبدأ كذلك على نطاق واسع ، بل كان الفوج الأول مكوّنا من بضع أسر ، فيهم رقية ابنة النبيّ عليه الصلاة والسلام وزوجها عثمان بن عفان ، ونفر اخر من المهاجرين لم يزيدوا جميعا عن ستة عشر ، وقد يمّموا شطر البحر ؛ حيث قيّضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة ، فلما خرجت قريش في اثارهم إلى الشاطئ ، كانوا قد انطلقوا آمنين ، ولم يمكث أولئك المهاجرون طويلا حتى ترامت إليهم الأخبار بأن المشركين هادنوا الإسلام ، وتركوا أهله أحرارا ، وأن الإيذاء القديم انقطع ، فلا بأس عليهم إن عادوا . وتركت هذه الإشاعة أثرها في قلوب المؤمنين ، فقرروا العودة إلى وطنهم ، حتى إذا اقتربوا من مكة تبيّنات لهم الحقيقة المحزنة ، وعرفوا أن المشركين أشد ما يكونون خصاما للّه ورسوله والمؤمنين ، وأن عدوانهم لم ينقطع يوما . . . ويزعم بعض المغفّلين أنه وقعت هدنة حقّا بين الإسلام والوثنية ، أساسها أنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم تقرب إلى المشركين بمدح أصنامهم والاعتراف بمنزلتها ! وأن هذه الهدنة الواقعة هي التي أعادت المسلمين من الحبشة . . . وما ذا قال محمد عليه الصلاة والسلام في مدح الأصنام ؟ يجيب هؤلاء المغفّلون بأنه قال : تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى ! ! . وأين وضع هذه الكلمات ؟ وضعها في سورة ( النجم ) مقحمة وسط الآيات التي جاء فيها ذكر هذه الأصنام ، فأصبحت هكذا : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ( 23 ) . . . [ النجم ] .