محمد الغزالي
117
فقه السيرة ( الغزالي )
كوكب اخر أن يقف مسيره وإشعاعه ، ويحرم الوجود من ضيائه وحرارته ؟ ! . ألا ما أغرب هذا الطلب ! وما أجدر صاحبه أن يرتدّ إلى مكانته لا يعدوها ! ولذلك بعد ما استمع عتبة إلى آيات القران توقظ ما كان نائما من فكره ، استمع إلى الوعيد يهدر ، فيحرك ما كان هاجعا من عاطفته : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) [ فصلت ] . لقد وضع عتبة يده على جنبه ، وقام كأن الصواعق ستلاحقه ، وعاد إلى قريش يقترح عليها أن تدع محمدا وشأنه ! ! . أما وفد قريش إلى أبي طالب ، فقد أخذ يقول : يا أبا طالب ! إن ابن أخيك قد سبّ الهتنا ، وعاب ديننا ، وسفّه أحلامنا ، وضلّل اباءنا ، فإمّا أن تكفّه عنا ، وإما أن تخلّي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فقال لهم أبو طالب قولا جميلا ، وردّهم ردّا رفيقا ، فانصرفوا عنه . ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما هو عليه ، ثم استشرى الأمر بينه وبينهم ، حتى تباعد الرجال فتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتامروا فيه فمشوا إلى أبي طالب مرة أخرى ، فقالوا : يا أبا طالب إن لك فينا سنّا وشرفا ، وإنا قد استنهيناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل ، وإنا - واللّه - لا نصبر على هذا من شتم الهتنا وابائنا ، وتسفيه أحلامنا حتى تكفّه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ؛ إلى أن يهلك أحد الفريقين ، ثم انصرفوا عنه . عظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ، ولم تطب نفسه بإسلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخذلانه ، وبعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأعلمه ما قالت قريش ، وقال له : أبق على نفسك وعليّ ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق ، فظنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قد بدا لعمه رأي ، وأنه خذله ، وضعف عن نصرته ، فقال رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه : « يا عماه ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه ، أو أهلك فيه ؛ ما تركته » « 1 » .
--> ( 1 ) حديث ضعيف ، أخرجه ابن إسحاق : 1 / 170 ، ومن طريقه ابن جرير : 2 / 67 ، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس به . وهذا إسناد معضل ، يعقوب هذا لم يدرك أحدا من الصحابة ، فهو من أتباع التابعين . وقد أخرج هذه القصة مختصرا الطبراني في الأوسط والكبير من حديث عقيل بن أبي طالب ، وفيه مكان قوله : « لو وضعوا -