محمد الغزالي
113
فقه السيرة ( الغزالي )
ومسح الران عن القلوب ، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه ، وحرمتها الجاهلية منه ، إنه وصل البشر بربهم ، فربطهم بنسبهم العريق ، وسببهم الوثيق ، وكانوا قبلا - حيارى محسورين ، إنه وازن للناس بين الخلود والفناء ، فاثروا الدار الآخرة على الدار الزائلة ، وخيّرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم ، فازدروا الأوثان المنحوتة ، وتوجّهوا للذي فطر السماوات والأرض . حسب محمّد صلى اللّه عليه وسلم أن قدّم هذا الخير الجزيل ، وحسب أصحابه أن ساقته العناية لهم ، فإذا أوذوا فليحتسبوا ، وإذا حاربهم عبيد الرجس من الأوثان ، فليلزموا ما عرفوا ، والحرب القائمة بين الكفران والإيمان سينجلي غبارها يوما ما ، ثم تنكشف عن شهداء وعن هلكى ، وعن مؤمنين قائمين بأمر اللّه ومشركين مدحورين بإذن اللّه : وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 122 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 123 ) [ هود ] . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبثّ عناصر الثقة في قلوب رجاله ، ويفيض عليهم ما أفاضه اللّه على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام ، وانتشار مبادئه ، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفّرة في المشارق والمغارب ، وقد اتخذ المستهزئون من هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم ؛ كان الأسود بن المطّلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتغامزون بهم ، ويقولون : قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدا على ملك كسرى وقيصر ، ثم يصفّرون ويصفقون ! ! . وتواصى المشركون بعد مصادرة الدعوة بهذا الأسلوب أن يمنعوا الوافدين إلى مكة من الاستماع إليها ، قال الوليد بن المغيرة لرجالات قريش : إن الناس يأتونكم أيام الحج ، فيسألونكم عن محمد ، فتختلف فيه أقوالكم ، يقول هذا : ساحر ، ويقول هذا : كاهن ، ويقول هذا : شاعر ، ويقول هذا : مجنون ، وليس يشبه واحدا مما يقولون ، ولكن أصلح ما قيل فيه : ساحر ؛ لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته ، وقد اقتسم هؤلاء المتامرون مداخل مكة أيام الموسم ، يحذّرون الناس من الداعية الخارج على قومه ، وينعتونه بما تواصوا به من سحر مفرّق ! .