محمد الغزالي
105
فقه السيرة ( الغزالي )
والمحبة ، وها هو ذا يواجه مكة بما تكره ، ويتعرّض لخصام السفهاء والكبراء ، وأول قوم يغامر بخسران مودّتهم هم عشيرته الأقربون ، لكنّ هذه الآلام تهون في سبيل الحق الذي شرح اللّه به صدره ، فلا عليه أن يبيت بعد هذا الإنذار ومكة تموج بالغرابة والاستنكار ، وتستعدّ لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة ، وتخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها . وبدأت قريش تسير في طريقها ، طريق اللّدد ، ومجانبة الصواب ، ومضى محمد صلى اللّه عليه وسلم كذلك في طريقه ، يدعو إلى اللّه ، ويتلطّف في عرض الإسلام ، ويكشف النقاب عن مخازي الوثنية ، ويسمع ويجيب ، ويهاجم ويدافع . . غير أن حرصه على هداية اله الأقربين ، جعله يجدّد مسعاه محاولا عرض الإسلام عليهم مرة أخرى ، فإنّ منزلتهم الكبيرة في العرب تجعل كسبهم عظيم النتائج . وهم - قبل ذلك - أهله الذين يودّ لهم الخير ، ويكره لهم الوقوع في مساخط اللّه . روى ابن الأثير : قال جعفر بن عبد اللّه بن أبي الحكم « 1 » : لما أنزل اللّه على رسوله : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) [ الشعراء ] ، اشتد ذلك عليه ، وضاق به ذرعا ، فجلس في بيته كالمريض ، فأتته عمّاته يعدنه ، فقال : « ما اشتكيت شيئا ، ولكن اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي » . فقلن له : فادعهم ، ولا تدع أبا لهب فيهم ، فإنه غير مجيبك ، فدعاهم ، فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف ، فكانوا خمسة وأربعين رجلا ، فبادره أبو لهب وقال : هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك ، فتكلم ودع الصّباة ! واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة ! وأنا أحق من أخذك ! فحسبك بنو أبيك . وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش ، وتمدّهم العرب ، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشرّ مما جئتهم به . فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يتكلّم في ذلك المجلس ، ثم دعاهم ثانية ، وقال : « الحمد للّه ، أحمده وأستعينه ، وأومن به وأتوكل عليه ، وأشهد ألاإله إلا اللّه
--> ( 1 ) لم أجد في الرواة هذا الراوي ، وإنما فيهم « جعفر بن عبد اللّه بن الحكم » وهو أنصاري أوسي تابعي صغير ، يروي عن أنس والتابعين ، فإذا كان هو هذا ، فالإسناد مرسل ضعيف ، ولم أقف على إسناده إليه ، وإن كان غيره فلم أعرفه .