محمد سعيد رمضان البوطي
99
فقه السيرة ( البوطي )
عباب البحر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ليعلنوا الولاء للدعوة الجديدة ، وليعلنوا بلسان الحال أن أعداء الدعوة الإسلامية لن يستطيعوا - مهما ضيقوا عليها ومهما عذبوا وآذوا أربابها ومهما قاطعوهم وائتمروا بهم - أن يمنعوها من أن تؤتي ثمارها أو أن يحبسوها عن الانتشار في مشارق الأرض ومغاربها . وكأنما قد علم أبو جهل بهذه الحقيقة فتجلت آثارها على نفسه ولسانه في الكلمات الحاقدة التي واجه بها أفراد ذاك الوفد ، ولكن ما عساه أن يصنع ؟ إن كل ما يستطيع هو وأمثاله أن يصنعوه ، إنزال مزيد من التعذيب والإيذاء بالمسلمين . أما أن لا تبلغ الدعوة مداها وأن لا تؤتي ثمارها ، فليس له إلى ذلك من سبيل . ثانيا : ما هي نوعية الإيمان الذي آمنه أفراد هذا الوفد ؟ هل هو إيمان من يخرج من ظلمات الكفر إلى النور ؟ . الواقع أن إيمانهم كان مجرد استمرار لإيمانهم السابق ، ومجرد سلوك بمقتضى ما كانوا يتمسكون به من عقيدة ودين . فقد كانوا ( على حد تعبير رواة السيرة ) أهل إنجيل يؤمنون به ، ويسيرون على هديه ، ولما كان الإنجيل يأمر باتباع الرسول الذي يأتي من بعد عيسى عليه السلام ويتحدث عن صفاته ومميزاته فقد كان من مقتضى استمرار الإيمان ، الإيمان بهذا النبي وهو محمد عليه الصلاة والسلام . وإذا فإن إيمانهم به عليه الصلاة والسلام لم يكن عملية انتقال من دين إلى دين بسبب تفضيل أحدهما على الآخر ، وإنما كان استمرار لحقيقة الإيمان بعيسى عليه السلام وما أنزل إليه ، وهذا هو معنى قولهم فيما تحكيه عنهم الآية الشريفة : وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ( 53 ) [ القصص : 53 ] أي إنا كنا مسلمين ومؤمنين بهذا الذي يدعو إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، من قبل بعثته ، لأنه مما يدعو الإنجيل إلى الإيمان به . وهذا هو شأن كل من تمسك تمسكا حقيقيا بما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام أو بما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام إذ الإيمان بالإنجيل والتوراة يستدعي الإيمان بالقرآن ومحمد عليه الصلاة والسلام ، ولذلك أمر اللّه رسوله أن يكتفي من دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام بمجرد مطالبتهم بتطبيق ما في التوراة أو الإنجيل الذي يدّعون الإيمان به ، فقال جل جلاله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [ المائدة : 68 ] .