محمد سعيد رمضان البوطي

96

فقه السيرة ( البوطي )

الصحابة دار الإسلام وفروا ابتغاء سلامة أرواحهم إلى بلاد كافرة ، فمكة والحبشة وغيرهما كانت سواء إذ ذاك ، وأيها كانت أعون للصحابي على ممارسة دينه والدعوة إليه ، فهي أجدر بالإقامة فيها . أما الهجرة من دار الإسلام فحكمها بين الوجوب والجواز والحرمة ، أما الوجوب فيكون عند عدم تمكن المسلم من القيام بالشعائر الإسلامية فيها كالصلاة والصيام والأذان والحج . . وأما الجواز فيكون عندما يصيبه فيها بلاء يضيق به . فيجوز له أن يخرج منها إلى دار إسلامية أخرى ، وأما الحرمة فتكون عندما تستلزم هجرته إهمال واجب من الواجبات الإسلامية لا يقوم به غيره « 1 » . الدلالة الثانية : ونأخذ منها حقيقة العلاقة القائمة بين ما جاء به سيدنا محمد وسيدنا عيسى عليهما الصلاة والسلام ، فقد كان النجاشي على دين عيسى عليه الصلاة والسلام ، وكان مخلصا وصادقا في نصرانيته ، ولقد كان من مقتضى إخلاصه هذا أن لا يتحول عنها إلى ما يخالفها وأن لا ينتصر لمن تختلف عقيدتهم عما جاء به الإنجيل وما جاء به سيدنا عيسى عليه السلام . أي فلو صحّت تقولات أولئك الذين يزعمون انتماءهم إلى عيسى ابن مريم وتمسكهم بالإنجيل ، من أن عيسى هو ابن اللّه تعالى وأنه ثالث ثلاثة ، لتمسك النجاشي ( الذي كان من أخلص الناس لنصرانيته ) بذلك ، ولردّ على المسلمين كلامهم وانتصر لرسل قريش فيما جاؤوا من أجله . ولكنا رأينا النجاشي يعلق على ما سمعه من القرآن وترجمته لحياة عيسى ابن مريم بقوله : إن هذا والذي جاء به عيسى ابن مريم ليخرج من مشكاة واحدة ، يقول ذلك على مسمع من بطارقة وعلماء الكتاب الذين من حوله . وهذا يؤكد ما هو بديهي الثبوت من أن الأنبياء كلهم إنما جاؤوا بعقيدة واحدة لم يختلفوا حولها بعضهم عن بعضهم قيد شعرة ، ويؤكد لنا أن اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم ليس إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا من عند أنفسهم كما قال اللّه تعالى . الدلالة الثالثة : أنه يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك ، سواء أكان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي إذ كان نصرانيا عندئذ ،

--> ( 1 ) انظر تفسير القرطبي 5 / 35 ، وأحكام القرآن لابن العربي 2 / 887 .