محمد سعيد رمضان البوطي

94

فقه السيرة ( البوطي )

الفواحش . . فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من اللّه ، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك . فسأله النجاشي أن يتلو عليه شيئا مما جاءهم به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من عند اللّه . فقرأ عليه جعفر صدرا من سورة مريم ، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته ، ثم قال لهم : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، ثم التفت إلى رسوليّ قريش قائلا ، انطلقا ، فلا واللّه لا أسلمهم إليكما ، ولا يكادون . ثم إنهما عادا فقالا للنجاشي : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون ، فأرسل إليهم في ذلك ، فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، يقول : هو عبد اللّه وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا . ثم قال : واللّه ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود ، ثم رد إليهما هداياهما ، وزاد استمساكه بالمسلمين الذين استجاروا به ، وعاد الرسل إلى قريش خائبين . وبعد فترة من الزمن بلغهم إسلام أهل مكة ، فرجعوا لما بلغهم ذلك حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما قد سمعوه من إسلام أهل مكة باطل ، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار ، أو مستخفيا وكان جميعهم ثلاثة وثلاثين رجلا ، وكان من بين من دخل بجوار عثمان بن مظعون ، دخل بجوار الوليد بن المغيرة ، وأبو سلمة دخل بجوار أبي طالب . العبر والعظات : نأخذ من حديث هجرة المسلمين إلى الحبشة ثلاث دلالات : الدلالة الأولى : إن الدين والاستمساك به وإقامة دعائمه ، أساس ومصدر لكل قوة ، وهو السياج لحفظ كل حق من مال وأرض وحرية وكرامة ، ومن أجل هذا كان واجب الدعاة إلى الإسلام والمجاهدين في سبيله أن يجندوا كل إمكاناتهم لحماية الدين ومبادئه ، وأن يجعلوا من الوطن والأرض والمال والحياة وسائل لحفظ العقيدة وترسيخها ، حتى إذا اقتضى الأمر ، بذل ذلك كله في سبيلها وجب بذله . ذلك أن الدين إذا فقد أو غلب عليه ، لم يغن من ورائه الوطن والمال والأرض ، بل سرعان ما يذهب كل ذلك أيضا من ورائه ، أما إذا قوي شأنه وقامت في المجتمع دعائمه ورسخت في الأفئدة عقيدته ، فإن كل ما كان قد ذهب في سبيله من مال وأرض ووطن