محمد سعيد رمضان البوطي
78
فقه السيرة ( البوطي )
منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي ، ولم يثنهم ذلك عن دين اللّه شيئا ، ويطول البحث لو ذهبنا نسرد نماذج عن العذاب الذي لاقاه كل منهم ، ولكنا ننقل هنا ما رواه الإمام البخاري عن خبّاب بن الأرتّ أنه قال : أتيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : يا رسول اللّه : ألا تدعو اللّه لنا ؟ فقعد وهو محمر الوجه ، فقال : « لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمّن اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللّه » « 1 » . العبر والعظات : أولى ما قد يخطر في بال المتأمل ، حينما يرى قصة ما لقيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه من المشركين ، من صنوف الإيذاء والتعذيب ، هو أن يتساءل : فيم هذا العذاب الذي لقيه النبي وأصحابه وهم على الحق ؟ ولماذا لم يعصمهم اللّه عز وجل منه وهم جنوده وفيهم رسوله يدعون إلى دينه ويجاهدون في سبيله ؟ والجواب : أن أول صفة للإنسان في الدنيا أنه مكلف ، أي أنه مطالب من قبل اللّه عز وجل بحمل ما فيه كلفة ومشقة ، وأمر الدعوة إلى الإسلام والجهاد لإعلاء كلمته من أهم متعلقات التكليف ، والتكليف من أهم مستلزمات العبودية للّه تعالى ، إذ لا معنى للعبودية للّه تعالى إن لم يكن ثمة تكليف ، وعبودية الإنسان للّه عز وجل ضرورة من ضرورات ألوهيته سبحانه وتعالى ، فلا معنى للإيمان بها إن لم ندرك عبوديتنا له . فقد استلزمت العبودية ، إذا ، التكليف ، واستلزم التكليف تحميل المشاق ومجاهدة النفس والأهواء . ومن أجل هذا كان واجب عباد اللّه في هذه الدنيا تحقيق أمرين اثنين : أولهما : التمسك بالإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي الصحيح . ثانيهما : سلوك السبل الشاقة إليه واقتحام المخاطر وبذل المهج والمال من أجل تحقيق ذلك . أي إن اللّه عز وجل كلفنا بالإيمان بالغاية ، وكلفنا إلى جانب ذلك بسلوك الوسيلة
--> ( 1 ) انظر ما لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه من المشركين في سيرة ابن هشام أو تهذيب السيرة ، وكتاب نور اليقين للخضري وغيرها من كتب السيرة .