محمد سعيد رمضان البوطي
74
فقه السيرة ( البوطي )
اكتفاء بعموم أمره الآخر وهو قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] إذ يدخل أفراد عشيرته وذوو قرباه في عموم الذين سيصدع أمامهم بالدعوة والإنذار ، فما الحكمة من خصوصية الأمر بإنذار العشيرة ؟ . والجواب : أن في هذا إلماحا إلى درجات المسؤولية التي تتعلق بكل مسلم عموما وأصحاب الدعوة خصوصا . فأدنى درجة في المسؤولية هي مسؤولية الشخص عن نفسه ، ومن أجل إعطاء هذه الدرجة حقها استمرت فترة ابتداء الوحي تلك المدة الطويلة التي رأيناها ، أي ريثما يطمئن محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى أنه نبي مرسل ، وأن ما ينزل عليه إنما هو وحي من اللّه عز وجل فيؤمن هو بنفسه أولا ويوطن ذاته لقبول كل ما سيتلقاه من مبادئ ونظم وأحكام . أما الدرجة التي تليها ، فهي مسؤولية المسلم عن أهله ومن يلوذون به من ذوي قرباه ، وتوجيها إلى القيام بحق هذه المسؤولية خصص اللّه الأهل والأقارب بضرورة الإنذار والتبليغ بعد أن أمر بعموم التبليغ والجهر به ، وهذه الدرجة من المسؤولية يشترك في ضرورة تحمل أعبائها كل مسلم صاحب أسرة أو قربى ، وليس من اختلاف بين دعوة الرسول في قومه ودعوة المسلم في أسرته بين أقاربه ، إلا أن الأول يدعو إلى شرع جديد منزل عليه من اللّه تعالى ، وهذا يدعو بدعوة الرسول الذي بعث إليه ، فهو يبلغ عنه وينطق بلسانه ، وكما لا يجوز للنبي أو الرسول في قومه أن يقعد عن تبليغهم ما أوحى إليه ، فكذلك لا يجوز لرب الأسرة أن يقعد عن تبليغ أهله وأسرته ذلك ، بل يجب أن يحملهم على اتباع ذلك حملا ويلزمهم به إلزاما . أما الدرجة الثالثة ، فهي مسؤولية العالم عن حيه أو بلدته ، ومسؤولية الحاكم عن دولته وقومه ، وكل منهما ينوبان في ذلك مناب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ هما الوارثان الشرعيان له ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « العلماء ورثة الأنبياء » ، ولتسمية الإمام والحاكم خليفة ، أي خليفة لرسول اللّه . على أن العلم والدراية من لوازم الإمام والحاكم في المجتمع الإسلامي ، فليس من خلاف بين طبيعة المسؤولية المنوطة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمنوطة بالعلماء والحكام في الاتساع والشمول ، إلا أن الرسول يبلغ - كما قلنا - شرعا جديدا يوحى إليه من اللّه عز وجل ، أما هؤلاء فيمشون على قدمه ويهتدون بهديه ويلتزمون سنته وسيرته فيما يفعلون ويبلغون .