محمد سعيد رمضان البوطي
72
فقه السيرة ( البوطي )
الجهر بالدعوة قال ابن هشام : ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من النساء والرجال حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدّث به ، فأمر اللّه رسوله أن يصدع بما جاءه من الحق ، وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إليه ، وكان بين ما أخفى رسول اللّه أمره واستتر به إلى أن أمره اللّه بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه . ثم قال له : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ الحجر : 94 ] . وقال له : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 214 و 215 ] ، وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [ الحجر : 89 ] . وحينئذ بدأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتنفيذ أمر ربه ، فاستجاب لقوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) [ الحجر : 94 ] بأن صعد على الصفا فجعل ينادي : يا بني فهر ، يا بني عدي ، حتى اجتمعوا ، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر : ما هو ؟ فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ » قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، قال : « فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم . . ألهذا جمعتنا ؟ . فنزل قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) « 1 » [ المسد : 1 ] . ثم نزل الرسول فاستجاب لقوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] بأن جمع من حوله جميع ذويه وأهل قرابته وعشيرته ، فقال : « يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من اللّه شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلاها » « 2 » .
--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) متفق عليه واللفظ لمسلم ، وقوله : سأبلّها ببلاها أي سأصلها بصلتها .