محمد سعيد رمضان البوطي
70
فقه السيرة ( البوطي )
تر إلى قوم نوح كيف كانوا يعيرونه بأن أتباعه الذين من حوله ليسوا إلا من أرذال الناس ودهمائهم : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [ هود : 27 ] ، وإلى فرعون وشيعته كيف كانوا يرون أتباع موسى أذلاء مستضعفين ، حتى قال عنهم بعد أن تحدث عن هلاك فرعون وأشياعه : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [ الأعراف : 137 ] . وإلى ثمود الذين أرسل اللّه إليهم صالحا ، كيف تولى عنه الزعماء المستكبرون ، وآمن به الناس المستضعفون ، حتى قال اللّه في ذلك : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 75 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 76 ) [ الأعراف : 75 و 76 ] . والسر في ذلك ، أن حقيقة هذا الدين الذي بعث اللّه به عامة أنبيائه ورسله ، إنما هي الخروج عن سلطان الناس وحكمهم إلى سلطان اللّه وحكمه وحده ، وهي حقيقة تخدش أول ما تخدش ألوهية المتألهين وحاكمية المتحكمين وسطوة المتزعمين ، وتناسب أول ما تناسب حالة المستضعفين والمستذلين والمستعبدين ، فيكون رد الفعل أمام الدعوة إلى الإسلام للّه وحده هو المكابرة والعناد من أولئك المتألهين والمتحكمين ، والإذعان والاستجابة من هؤلاء المستضعفين ، وانظر ، فإن هذه الحقيقة تتجلى لك بوضوح في الحديث الذي دار بين رستم قائد الجيش الفارسي في وقعة القادسية ، وربعي بن عامر الجندي البسيط في جيش سعد بن أبي وقاص ، فقد قال له رستم : ما الذي دعاكم إلى حربنا والولوع بديارنا ؟ . فقال : جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ، ثم نظر إلى صفوف الناس الراكعين عن يمين رستم وشماله ، فقال متعجبا : « لقد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ، ولكني لا أرى قوما أسفه منكم ، إننا معشر المسلمين لا يستعبد بعضنا بعضا ، ولقد ظننت أنكم تتواسون كما نتواسى ، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب لبعض . . » . فالتفت الدهماء المستضعفون إلى بعضهم يتهامسون : صدق واللّه العربي . . أما القادة والرؤساء فقد وجدوا في كلام ربعي هذا ما يشبه الصاعقة أصابت كيانهم فحطمته ، وقال بعضهم لبعض : « لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه » « 1 » .
--> ( 1 ) انظر تفصيل هذه القصة في كتاب : إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء تأليف محمد الخضري : 100 .