محمد سعيد رمضان البوطي

57

فقه السيرة ( البوطي )

عليه البعيد ، وتفنى القوى ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة ) « 1 » . واتخاذ الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الدوافع الوجدانية في القلب مما أجمع المسلمون على ضرورته ، وهو ما يسمى بالتصوف عند جمهور العلماء والباحثين ، أو بالإحسان عند بعضهم ، أو بعلم السلوك عند بعض آخر كالإمام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى « 2 » . والاختلاء الذي كان يمارسه صلى اللّه عليه وسلم قبيل بعثته كان واحدة من هذه الوسائل لتحقيق هذه الدوافع نفسها . بيد أنه لا ينبغي أن يفهم معنى الخلوة كما شذ البعض ففهموها حسب شذوذهم ، وهو الانصراف الكلي عن الناس واتخاذ الكهوف والجبال موطنا واعتبار ذلك فضيلة بحد ذاتها . فذلك مخالف لهديه صلى اللّه عليه وسلم ولما كان عليه عامة أصحابه ، إنما المراد هو استحباب اتخاذ الخلوة دواء لإصلاح الحال كما ذكرنا ، والدواء لا ينبغي أن يؤخذ إلا بقدر ، وعند اللزوم ، وإلّا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه ، وإذا رأيت في تراجم الصالحين من استمر على الخلوة والابتعاد عن الناس ، فمردّ ذلك إلى حالة خاصة به ، وليس عمله حجة على الناس . بدء الوحي روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة تصف كيفية بدء الوحي وتقول : أول ما بدىء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال له : اقرأ ، فقال : « ما أنا بقارئ » قال : « فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني » فقال اقرأ : فقلت : « ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني » فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 )

--> ( 1 ) الموافقات للشاطبي : 2 / 141 ، وراجع كتاب « ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية » لمؤلف هذا الكتاب : ص 111 - 112 . ( 2 ) انظر الجزء العاشر من فتاوى الشيخ ابن تيمية رحمه اللّه ، لتجد قيمة التصوف الحقيقي عند هذا الإمام الجليل ، ولتعلم كم يفتري عليه أولئك الذين يحاولون ترويج باطلهم عن طريق إلصاقه باسمه .