محمد سعيد رمضان البوطي

55

فقه السيرة ( البوطي )

اختلاؤه في غار حراء ولما أخذت سنّه تدنو نحو الأربعين ، نشأ لديه حب للعزلة بين الفترة والأخرى ، وحبب اللّه إليه الاختلاء في غار حراء - وحراء : جبل يقع في جانب الشمال الغربي من مكة - فكان يخلو فيه ، ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد ، فتارة عشرة وتارة أكثر من ذلك إلى شهر ، ثم يعود إلى بيته فلا يكاد يمكث فيه قليلا حتى يتزود من جديد لخلوة أخرى ويعود الكرة إلى غار حراء ، وهكذا إلى أن جاءه الوحي وهو في إحدى خلواته تلك . العبر والعظات : إن لهذه الخلوة التي حببت إلى قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبيل البعثة ، دلالة عظيمة جدا ، لها أهمية كبرى في حياة المسلمين عامة والداعين إلى اللّه بصورة خاصة ، فهي توضح أن المسلم لا يكمل إسلامه مهما كان متحليا بالفضائل قائما بألوان العبادات ، حتى يجمع إلى ذلك ساعات من العزلة والخلوة يحاسب فيها النفس ، ويراقب اللّه تعالى ، ويفكر في مظاهر الكون ، ودلائل ذلك على عظمة اللّه ، هذا في حق أي مسلم يريد لنفسه الإسلام الصحيح ، فكيف بمن يريد أن يضع نفسه موضع الداعي إلى اللّه والمرشد إلى الطريق الحق ؟ وحكمة ذلك : أن للنفس الإنسانية آفات لا يقطع شرتها إلا دواء العزلة عن الناس ، ومحاسبتها في نجوة من ضجيج الدنيا ومظاهرها ، فالكبر ، والعجب ، والحسد ، والرياء ، وحب الدنيا ، كل ذلك آفات من شأنها أن تتحكم في النفس وتتغلغل إلى أعماق القلب ، وتعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة والعبادات المبرورة ، ورغم ما قد ينشغل به من القيام بشؤون الدعوة والإرشاد وموعظة الناس ، وليس لهذه الآفات من دواء إلا أن يختلي صاحبها بين كل فترة وأخرى مع نفسه ليتأمل في حقيقتها ومنشئها ومدى حاجتها إلى عناية اللّه تعالى وتوفيقه في كل لحظة من لحظات الحياة ، ثم ليتأمل في الناس ومدى ضعفهم أمام الخالق عز وجل وفي عدم أي فائدة لمدحهم أو قدحهم ، ثم ليتفكر في مظاهر عظمة اللّه وفي اليوم الآخر وفي الحساب وطوله ، وفي عظيم رحمة اللّه وعظيم عقابه ، فعند التفكير الطويل المتكرر في