محمد سعيد رمضان البوطي

5

فقه السيرة ( البوطي )

السّيرة النبويّة كيف تطوّرت دراستها وكيف يجب فهمها اليوم السيرة النبوية والتاريخ : لا ريب أن سيرة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم تشكل الركيزة الأساسية لحركة التاريخ العظيم الذي يعتز به المسلمون على اختلاف لغاتهم وأقطارهم . وانطلاقا من هذه السيرة دوّن المسلمون التاريخ . . . ذلك لأن أول ما دوّنه الكاتبون المسلمون من وقائع التاريخ وأحداثه ، هو أحداث السيرة النبوية ، ثم تلا ذلك تدوين الأحداث التي تسلسلت على أثرها إلى يومنا هذا . حتى التاريخ الجاهلي الذي ينبسط منتشرا وراء سور الإسلام في الجزيرة العربية ، إنما وعاه المسلمون من العرب وغيرهم واتجهوا إلى رصده وتدوينه ، على هدي الإسلام الذي جاء فحدد معنى الجاهلية ، وعلى ضوء المعلمة التاريخية الكبرى التي تمثلت في مولد أفضل الورى سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم وسيرة حياته . إذا ، فالسيرة النبوية تشكل المحور الذي تدور حوله حركة التدوين لتاريخ الإسلام في الجزيرة العربية . بل هي العامل الذي أثر في أحداث الجزيرة العربية أولا . ثم في أحداث سائر العالم الإسلامي ثانيا . ولقد امتلك فن الرواية لأحداث التاريخ عند العرب والمسلمين منهجا علميا دقيقا لرصد الوقائع وتمييز الصحيح منها عن غيره ، لم يملك مثله غيرهم . غير أنهم لم يكونوا ليكتشفوا هذا المنهج ، ولم يكونوا لينجحوا في وضعه موضع التنفيذ في كتاباتهم التاريخية ، لولا السيرة النبوية التي وجدوا أنفسهم أمام ضرورة دينية تحملهم على تدوينها تدوينا صحيحا على نحو لا يشوبها وهم ولا يتسلل إليها خلط أو افتراء . . ذلك لأنهم علموا أن سيرة سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسنّته هما المفتاح الأول لفهم كتاب اللّه تعالى . ثم هما النموذج الأسمى لكيفية تطبيقه والعمل به . فكان أن نهض بهم دافع اليقين بنبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبأن القرآن الكريم كلام اللّه تعالى ، وبأنهم يحملون مسؤولية العمل