محمد سعيد رمضان البوطي
40
فقه السيرة ( البوطي )
المكان برسول اللّه نفسه ، وهو طفل رضيع قد استكان إلى حجر حليمة والتقم ثديها ؟ إن من الجدير أن تكون سببيته لاخضرار الأرض المجدبة من حوله أبلغ من سببية قطر السماء وينابيع الأرض ، وما دام الكل بيد اللّه وهو وحده مسبب الأسباب جميعها فأجدر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكون في مقدمة أسباب البركة والإكرام الإلهي ذلك أنه رحمة اللّه إلى الناس بصريح تبيانه سبحانه وتعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] . 4 - تعد حادثة شق الصدر التي حصلت له عليه الصلاة والسلام أثناء وجوده في مضارب بني سعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار اللّه إياه لأمر جليل ، وقد رويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعند كثير من الصحابة منهم أنس بن مالك فيما يرويه مسلم في صحيحه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرجه ، فاستخرج منه علقة فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم أعاده إلى مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - مرضعته - ينادون : إن محمدا قد قتل ، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون « 1 » . وليست الحكمة من هذه الحادثة - واللّه أعلم - استئصال غدة الشر في جسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه ، لأمكن أن يصبح الشرير خيرا بعملية جراحية ، ولكن يبدو أنّ الحكمة هي إعلان أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتهييؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ، ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته ، إنها إذا عملية تطهير معنوي ، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ، ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع الناس وأبصارهم . وأيا كانت الحكمة ، فلا ينبغي - وقد ثبت الخبر ثبوتا صحيحا - محاولة البحث عن مخارج لنخرج منها بهذا الحديث عن ظاهره وحقيقته إلى التآويل الممجوجة البعيدة المتكلفة ، ولن تجد من مسوغ لمن يحاول هذا - على الرغم من ثبوت الخبر وصحته - إلا ضعف الإيمان باللّه عز وجل . ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخبر إنما هو صدق الرواية وصحتها فإذا ثبتت الرواية ثبوتا بيّنا فلا مناص من قبوله موضوعا على الرأس ، وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات
--> ( 1 ) مسلم 1 / 101 و 102 ، وثبت في الصحيح تكرار حادثة شق صدره صلى اللّه عليه وسلم أكثر من مرة .