محمد سعيد رمضان البوطي

381

فقه السيرة ( البوطي )

قال : « أذهب البأس ربّ الناس ، واشف وأنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما » وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها ، ومن أوضح الأدلة على مشروعية الرقية بالقرآن الكريم قوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) [ الإسراء : 82 ] . والفرق بين الدعاء والرقية أن الرقية تزيد عليه المسح باليد والنفث بالفم ، وهو النفخ بدون ريق ، في الأصح . ثم إنه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى جواز أخذ الأجر على الرقية ، وفصل أبو حنيفة فمنعها على تعليم القرآن وأجازها على الرقية « 1 » ودليل ذلك حديث البخاري ومسلم أن ناسا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا في سفر ، فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم ، فقالوا لهم : هل فيكم راق ، فإن سيد الحي لديغ أو مصاب ، فقال رجل منهم : نعم ، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب ، فشفي الرجل فأعطي قطيعا من غنم فأبى أن يقبلها ، وقال : حتى أذكر ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال : يا رسول اللّه ، واللّه ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب ، فتبسم وقال : « وما أدراك أنها رقية ؟ » ثم قال : « خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم » . وقد نقل النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما الإجماع على مشروعية الرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن يكون بكلام اللّه تعالى أو بأسمائه وصفاته وأن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها ، بل بذات اللّه تعالى « 2 » . وقد دلت على هذه الشروط أحاديث صحيحة مثل ما رواه مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنا نرقي في الجاهلية ، فقلنا : يا رسول اللّه كيف ترى في ذلك ؟ فقال : « اعرضوا عليّ رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك » . السحر والرقية منه : ولقد كان من أهم ما رقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفسه بالمعوّذات منه ، السحر الذي سحره به لبيد بن الأعصم في الحديث الذي رواه الشيخان .

--> ( 1 ) انظر شرح النووي على مسلم : 14 / 118 . ( 2 ) راجع النووي على مسلم : 14 / 169 وفتح الباري لابن حجر : 10 / 152 .