محمد سعيد رمضان البوطي
38
فقه السيرة ( البوطي )
مسلم « 1 » ، ثم أعيد بعدها إلى أمه وقد تم له من العمر خمس سنوات . ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمّه آمنة ، وما أن تحول الرسول إلى كفالة جده عبد المطلب حتى وافته هو الآخر منيته فمات وقد تم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ثمان سنوات ، فكفله عمه أبو طالب . العبر والعظات : يؤخذ من هذا المقطع من سيرته صلى اللّه عليه وسلم مبادئ وعظات عامة نجملها فيما يلي : 1 - فيما أوضحناه من نسبه الشريف صلى اللّه عليه وسلم ، دلالة واضحة على أن اللّه سبحانه وتعالى ميز العرب على سائر الناس ، وفضل قريشا على سائر القبائل الأخرى ، تجد هذه الدلالة واضحة في الحديث الذي رويناه عن مسلم ، وقد وردت بمعناه أحاديث كثيرة أخرى ، فمن ذلك ما رواه الترمذي أنه صلى اللّه عليه وسلم قام على المنبر فقال : « من أنا ؟ » فقالوا : أنت رسول اللّه عليك السلام ، فقال : « أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، إن اللّه خلق الخلق ، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا » « 2 » . واعلم أن مقتضى محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها ، لا من حيث الأفراد والجنس بل من حيث الحقيقة المجردة ، ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية ، قد شرف كل منها - ولا ريب - بانتساب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليها . ولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين ، عن صراط اللّه عز وجل ، وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامية التي اختارها اللّه لعباده ، لأن هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يؤدي بما كان من نسبة بينه وبين الرسول صلى اللّه عليه وسلم ويلغيها من الاعتبار . 2 - ليس من قبيل المصادفة أن يولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتيما ، ثم لا يلبث أن يفقد جده أيضا ، فينشأ النشأة الأولى من حياته بعيدا عن تربية الأب ورعايته محروما من عاطفة الأم وحنوها .
--> ( 1 ) راجع قصة استرضاعه في بادية بني سعد وخبر شق صدره في سيرة ابن هشام : 1 / 164 ، وانظر صحيح مسلم : 1 / 101 و 102 . ( 2 ) الترمذي : 9 / 236 كتاب المناقب .