محمد سعيد رمضان البوطي
375
فقه السيرة ( البوطي )
إلينا بيده أن قد فعلتنّ ، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم « 1 » ، خرج صلى اللّه عليه وسلم عاصبا رأسه ، فجلس على المنبر ، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال : « عبد خيره اللّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عنده » فبكى أبو بكر رضي اللّه عنه - إذ علم ما يقصده النبي صلى اللّه عليه وسلم - وناداه قائلا : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك يا أبا بكر ، أيها الناس إن آمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ، لا تبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر « 2 » ، وإني فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم وإني واللّه ما أخاف أن تشركوا من بعدي ، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها » « 3 » . وعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بيته ، وما هو إلا أن اشتد به وجعه ، وثقل عليه مرضه . روت عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مرضه : « ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك ، حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنّى متمنّ ويقول قائل : أنا أولى ويأبى اللّه والمؤمنون إلا أبا بكر » « 4 » . وروى ابن عباس رضي اللّه عنه قال : لما اشتد برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المرض ، قال لرجال كانوا في البيت : « هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده » ، فقال بعضهم : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب اللّه ، فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول غير ذلك ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قوموا » « 5 » . ولم يعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يطيق الخروج إلى الصلاة مع الناس ، فقال : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » ، فقالت عائشة رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه ، إن أبا بكر رجل أسيف - رقيق - وأنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس ، فقال : « إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس » « 6 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري . ( 2 ) هو الباب الصغير بين البيتين ، والحديث إلى هنا متفق عليه واللفظ لمسلم . ( 3 ) متفق عليه . ( 4 ) رواه مسلم في باب فضل أبي بكر : 7 / 110 ، وروى البخاري نحوه . ( 5 ) رواه البخاري في باب مرض النبي ووفاته : 5 / 138 . ( 6 ) متفق عليه .