محمد سعيد رمضان البوطي
373
فقه السيرة ( البوطي )
بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء ما إن عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة المنورة حتى أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو الروم ، واختار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لإمرة هذا الغزو أسامة بن زيد رضي اللّه عنه ، وكان رضي اللّه عنه شابا حدثا ، فأمره صلى اللّه عليه وسلم أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة ، وأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، وذلك مع بدء شكواه صلى اللّه عليه وسلم من مرضه الذي توفي فيه . ولكن المنافقين راحوا يقولون مستنكرين : أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار « 1 » ! فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس وقد عصب رأسه وخطب فيهم قائلا : « إن تطعنوا في إمارة أسامة بن زيد فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله ، وأيم اللّه إن كان لخليقا بها ، وأيم اللّه إن كان لأحب الناس إليّ ، وأيم اللّه إنّ هذا لها لخليق - يريد أسامة بن زيد - ، وأيم اللّه إن كان لأحبّهم إليّ من بعده فأوصيكم به فإنه من صالحيكم » « 2 » . فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرين والأنصار ، وخرج أسامة بجيشه إلى ظاهر المدينة ، فعسكر بالجرف - مكان على فرسخ من المدينة - . شكوى رسول اللّه وفي هذه الأثناء ، اشتدت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شكواه التي قبضه اللّه فيها ، فأقام الجيش هناك ، ينظرون ما اللّه قاض في هذا الأمر . وكان ابتداء شكواه ما رواه ابن إسحاق وابن سعد عن أبي مويهبة مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من جوف الليل ، فقال : « يا أبا مويهبة ، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع ، فانطلق معي » ، فانطلقت معه ، فلما وقفنا عليهم قال :
--> ( 1 ) كان أسامة إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة أو عشرين ، على اختلاف في ذلك . ( 2 ) متفق عليه ، واللفظ لمسلم 7 / 131 .