محمد سعيد رمضان البوطي

363

فقه السيرة ( البوطي )

المسلمين إخوة ، فلا يحلّ لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمنّ أنفسكم ، اللهم هل بلّغت ؟ وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلّالا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا ليبلّغ الشاهد الغائب ، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ » . قالوا : نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت ، فقال بأصبعه السبابة ، يرفعها إلى السماء ، وينكتها إلى الناس : « اللهم اشهد - ثلاث مرات - » « 1 » . ثم لم يزل النبي صلى اللّه عليه وسلم في عرفات حتى غربت الشمس ، وحينئذ دفع بمن معه إلى المزدلفة ، وهو يشير بيده اليمنى قائلا : « أيها الناس ، السكينة ، السكينة » ، فصلى في المزدلفة المغرب والعشاء جمع تأخير ، وبات تلك الليلة في المزدلفة ثم دفع قبل أن تطلع الشمس إلى منى فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها ثم انصرف إلى المنحر ، فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر - أي تتمة المائة - ، ثم ركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، وأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال : « انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم » ، فناولوه دلوا فشرب منه « 2 » . ثم قفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عائدا إلى المدينة . العبر والعظات : أولا : عدد حجات الرسول صلى اللّه عليه وسلم وزمن مشروعية الحج : اختلف العلماء : هل حج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير هذه الحجة في الإسلام ؟ . فقد روى الترمذي وابن ماجة أنه صلى اللّه عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : وهو مبنيّ على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج ، فإنهم قدموا أولا فتواعدوا ، ثم قدموا ثانيا فبايعوا البيعة الأولى ، ثم قدموا ثالثا فبايعوا البيعة الثانية « 3 » ، ومنهم من روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر ، وأيّا ما كان الأمر ، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة ، فلم يكن واجبا قبل ذلك ، ولم يحج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعدها غير هذه

--> ( 1 ) نقلنا نص هذه الخطبة من صحيح مسلم ، وأضفنا إليها زيادة جاءت في البخاري هي : « وستلقون ربكم » إلى « من سمعه » كما أضفنا إليها زيادات بسيطة أخرى وردت في ابن إسحاق وطبقات ابن سعد وغيرهما . ( 2 ) من حديث جابر في صفة حجته صلى اللّه عليه وسلم ، رواه مسلم وغيره . ( 3 ) انظر فتح الباري : 8 / 74 .