محمد سعيد رمضان البوطي
351
فقه السيرة ( البوطي )
النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بنبأ إسلام ثقيف وهدايتهم ، فخرج يستقبلهم في بشر وإكرام ، وراح يحبس عليهم وقته كله يعلّمهم ويرشدهم وينصح لهم . طالما أرادوا به الكيد وشفوا بإيذائه غليل أحقادهم عليه ، وهو لا يريد بهم إلّا الخير والسعادة والرشد في الدنيا والآخرة : طالما فرحوا بمنظر النكبة والضر يرى متلبسا بهما ، ولكنه لم يفرح لهم إلا بنعمة الخير والإسلام إذ أكرمهم بهما اللّه ! . . ترى ، أهذا كله طبيعة بشرية في إنسان ، يدعو إلى مبدأ يراه أو عقيدة قد تخيّرها ؟ ! . أما أنها ليست إلا طبيعة النبوّة . . وليست إلا من أثر تطلّعه عليه الصلاة والسلام إلى هدف واحد فقط : هو أن تؤتي هذه الدعوة ثمارها فيلقى ربه وهو عنه راض ، وما أهون الآلام والنكبات كلها في هذا السبيل ، وما أعظم الفرحة إذ يجتاز العبد تلك المفاوز كلها ويستقر عند هذا الهدف الجليل ! . . وذلك هو الإسلام : لا يعرف حقدا ولا ضغينة ولا يريد شرا بإنسان . يأمر بالجهاد ، ولكن في غير ضغينة وحقد ، يعلّم القوة ، ولكن في غير أنانية وكبر ، يدعو إلى الرحمة ، ولكن في غير مهانة أو ضعف ، ويعلّم الحب ، ولكن في سبيل اللّه وحده . إذا ، لقد كان وفد ثقيف ، والوفود الأخرى التي تلاحقت متجهة إلى المدينة داخلة في الإسلام ، كان كل ذلك وفاء بوعد « النصر العزيز » الذي وعد اللّه به رسوله . تلك هي العبرة التي ينبغي أخذها من قصة هذه الوفود ، أما الدروس والأحكام فإليك منها ما يلي : أولا : ( جواز إنزال المشرك في المسجد إذا كان يرجى إسلامه وهدايته ) : فقد رأيت أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يستقبل وفد ثقيف في مسجده لمحادثتهم وتعليمهم ، وإذا كان هذا جائزا للمشرك ، فجوازه للكتابيّ أولى ، وقد استقبل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وفد نصارى نجران ، حينما جاؤوه لسماع الحق ومعرفة الإسلام . قال الزركشي : واعلم أن الرافعي والنووي رحمهما اللّه أطلقا أنه يجوز للكافر أن يدخل المساجد غير الحرم بإذن المسلم بقيود : أحدها : أن لا يكون قد شرط عليه في عقد الذمة عدم الدخول ، فإن كان قد شرط عليه ذلك ، لم يؤذن له .