محمد سعيد رمضان البوطي

349

فقه السيرة ( البوطي )

فإنه أموالنا كلها ، قال : « لكم رؤوس أموالكم » إن اللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) [ البقرة : 278 ] ، قالوا : أفرأيت الخمر فإنه عصير أرضنا لا بدّ لنا منها قال : « إن اللّه قد حرمها » ، وقرأ آية تحريم الخمر « 1 » . قال ابن إسحاق : وسألوه أيضا أن يضع عنهم الصلاة فقال صلى اللّه عليه وسلم لهم : « لا خير في دين بلا صلاة » ، فخلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في الأمر ثم عادوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد خضعوا لذلك كله ، ولكنهم سألوه أن يدع لهم وثنهم الذي كانوا يعبدونه ( اللات ) ثلاث سنين لا يهدمها ، فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم ، حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ، فأبى عليهم أن يدعها إلى أي أجل - قال ابن إسحاق : وإنما أرادوا بذلك أن يتخلصوا من أذى سفهائهم ونسائهم وذراريهم ، وكراهية منهم أن يردعوا قومهم بهدمها حتى يدخل الإسلام قلوبهم . فقالوا لرسول اللّه : فتولّ أنت إذا هدمها ، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدا ، فقال لهم : « فسأبعث لكم من يكفيكم ذلك » ، ثم استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأذن لهم ، وأكرمهم وحيّاهم ، وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام ، وكان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج . وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم وفدا على أثرهم أمّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب ، فعمدوا إلى اللات فهدموها ، وخرجت نساء ثقيف حسّرا يبكين عليها ويرثينها ، وكلما ضربها المغيرة بفأسه قال أبو سفيان : واها لك ، آها لك « 2 » ! . . يسخر منه ويصانع حزن تلك النسوة اللاتي يندبن ويبكين عليه . قال ابن سعد في طبقاته - يروي عن المغيرة رضي اللّه عنه - فدخلت ثقيف في الإسلام ، فلا أعلم قوما من العرب ، بني أب ولا قبيلة ، كانوا أصحّ إسلاما ، ولا أبعد أن يوجد فيهم غش للّه ولكتابه منهم « 3 » . تتابع وفود العرب ودخولهم في دين اللّه قال ابن إسحاق : لما افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه ، وإنما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر

--> ( 1 ) انظر زاد المعاد : 3 / 26 ، 28 . ( 2 ) ابن هشام : 2 / 327 . ( 3 ) طبقات ابن سعد : 2 / 78 .