محمد سعيد رمضان البوطي

342

فقه السيرة ( البوطي )

وروى ابن سعد أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عندما استعمل أبا بكر على الحج ، خرج في ثلاثمائة رجل من أهل المدينة ، وبعث معه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعشرين بدنة قلدها وأشعرها . العبر والعظات : 1 - المشركون وتقاليدهم في الحج : لقد عرفت فيما مضى أن الحج إلى بيت اللّه الحرام كان مما ورثه العرب عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فكان من بقايا الحنيفية التي ما زالوا محافظين عليها ، إلا أن كثيرا من أدران الجاهلية وأباطيل الشرك قد تسلل إليه ، حتى غدا مظهرا من مظاهر الشرك أكثر من أن يكون عبادة قائمة على عقيدة التوحيد . ذكر ابن عائذ أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين ، ويعارضهم المشركون بإعلاء أصواتهم ليغلطوهم بذلك ، فيقولون : لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، وكان رجال منهم يطوفون عراة ليس على رجل منهم ثوب ، يرون ذلك تعظيما للبيت ! . . وكان يقول أحدهم : أطوف بالبيت كما ولدتني أمي ، ليس عليّ شيء من الدنيا خالطه الظلم « 1 » . وظلت هذه الأرجاس إلى نهاية العام التاسع من الهجرة ، حيث كان حج أبي بكر رضي اللّه عنه والإنذار الذي أبلغه كل من أبي بكر وعلي رضي اللّه عنهما لسائر المشركين ، إيذانا بطهارة المسجد الحرام عن تلك الأرجاس ، وزوالها إلى غير رجعة . 2 - انتساخ العهد بإعلان الحرابة : ثم اعلم أن المشركين كانوا إذ ذاك صنفين ، كما قال محمد بن إسحاق وغيره : أحدهما : كان بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد إلى ما دون أربعة أشهر من الزمن ، فأمهل هذا الصنف إلى تمام المدة ، وثانيهما : كان بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد مفتوح ، أي بغير أجل ، فاقتصر به القرآن في سورة براءة على أربعة أشهر ، ثم هو بعد ذلك الحرب بينهم وبين المسلمين ، يقتل أحدهم حيث أدرك ، إلا أن يسلم ويتوب ، وابتداء هذا الأجل من يوم عرفة من العام التاسع ، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر . وقيل - وهو رأي الكلبي - : إنما كانت الأشهر الأربعة مدة لمن كان بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ، فأما من كان عهده أكثر من ذلك ، فقد أمر اللّه أن يتم عهده إلى مدته ، فذلك هو معنى قوله عز وجل : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ

--> ( 1 ) انظر عيون الأثر لابن سيد الناس : 2 / 231 .