محمد سعيد رمضان البوطي

335

فقه السيرة ( البوطي )

يلونهم » ولم يكن واحد من هؤلاء الذين يقتدون بهم يفعل شيئا من ذلك ) « 1 » . ويقول مثل هذا الكلام ابن حجر أيضا في كتابه : كف الرعاع ، وابن عابدين في حاشيته المشهورة المعتمدة عند السادة الأحناف ، مفرقا بين الوجد القاهر والتواجد المصطنع . أما الإمام القرطبي فيتوسع في التحذير من هذه البدعة وبيان حرمتها توسعا كبيرا ، وإذا أردت أن تقف على كلامه في ذلك فارجع إلى تفسيره ، عند قوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 191 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا ( 37 ) [ الإسراء : 37 ] . ولولا الإطالة فيما ينبغي الاختصار فيه لسردت لك نصوص كثير من الأئمة في هذا الشأن ، لتعلم أن هذا هو الحق الذي اتفق عليه عامة الأئمة من سلف وخلف لا خلاف فيه ولا نزاع « 2 » .

--> ( 1 ) قواعد الأحكام في مصالح الأنام : 2 / 186 . ( 2 ) قد يعجب البعض من أني أنكر على الوهابية الكثير من أرائهم ، مع ما أفعله هنا من الانحياز إليهم ، لاستنكار ما يراه الآخرون . ولا ريب أن هذا العجب إنما هو نتيجة تصور خاطىء لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم ، فليس من الإسلام في شيء أن يتحول لدينا البحث العلمي في العقل إلى عصبية مستحكمة في النفس ، وهيهات أن يكون من الإسلام في شيء ما يفعله بعضهم من الانتصار لما عرف به من مذهب ورأي ، مصطنعا بذلك الانتصار للإسلام وهو يعلم في قرارة نفسه أنه إنما ينتصر للرأي الذي أصبح جزآ من شخصيته وكيانه بين الناس . لا ينبغي للمسلم - لدى البحث العلمي - ، أن يضع أي شيء نصب عينيه إلا كتاب اللّه وسنة رسوله ، ولا يجوز له أن يدع أي سلطان من دون سلطانهما يتسلل بالتأثير على نفسه وفكره . ولا ينبغي ، إذا التزم هذا المسلم الحق ، أن يضيق أحد من المسلمين بكلامه ، أو أن يغضب لأحكامه ، وإذا كنت قد بحثت في هذا الكتاب مسائل انتهيت فيها إلى مخالفة بعض الناس ، فليس ذلك - يشهد اللّه - حبا بمخالفتهم ولكن حبا بالتزام كتاب اللّه وسنة رسوله ، وربما أخطىء في الحكم والاستنتاج ولكن هذا هو الدافع . وإذا كنت أبحث الآن في مسألة انتهيت فيها إلى موافقة أولئك البعض ومخالفة كثير من عوام المسلمين أو المتصوفة فيهم ، فليس ذلك أيضا حبا بمخالفتهم أو شهوة لنقدهم ، ولكن رغبة خالصة في أن لا أحيد عن كتاب اللّه وسنة رسوله ، مع تقديري لكثير من هؤلاء السادة ، ويقيني بصلاحهم وصفاء نياتهم ، وعذري أن هذا التقدير لا يسوغ تجاوز النصوص أو القواعد أو التأويل لها . ولو بحث المسلمون عن الحق الذي يجب اتباعه ، عن طريق هذا الميزان ، لما قامت فئات تتخاصم وتتجافى عن بعضها رغم ما قد يقع بينها من خلاف في الرأي والاجتهاد ، ولكن العصبية والغلو هما اللذان أوديا بالمسلمين إلى هذا الذي نراه . -