محمد سعيد رمضان البوطي
333
فقه السيرة ( البوطي )
ولقد قرر الفقهاء أن الدولة إذا ما اضطرت إلى النفقات للجهاد ، كان لها أن تفرض على الناس حاجتها من ذلك بالشكل الذي ذكرناه ، غير أنهم اتفقوا على أن ذلك مشروط بأن لا يكون في أموال الدولة ما يوضع في نفقات كمالية أو غير مشروعة ، إذ أن أموال الناس ليست أولى من أموال الدولة بأن تصرف إلى حاجات الجند والقتال . هذا ، ولقد رأيت كيف أن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه قد جاء إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام بثلاثمائة بعير بكل ما تحتاجه من الأقتاب والأحلاس وبمائتي أوقية من الفضة حتى قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم » ، وفي هذا بيان لفضل عثمان رضي اللّه عنه ، بل وإن في هذه الكلمة التي قالها عنه عليه الصلاة والسلام : « ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم » زجرا وتأديبا لكل من أراد أن يطيل لسانه على عثمان من أمثال أولئك الذين يتشدقون بالنقد على سياسته أيام خلافته ، يكتبون الصفحات الطوال عما يسمونه بمظهر الضعف أو التحيز في سياسته ، مقتفين في ذلك ما يطيب للمستشرقين القيام به من إمطار التاريخ الإسلامي بوابل النقد والكذب والتضليل تحقيقا لغاية مرسومة معروفة يتطلعون إليها ويغذون السير للوصول إليها . إن هؤلاء الذين يضعون أنفسهم في أبراج عالية من النزاهة النادرة ، لينطقوا من هناك بأحكامهم على عثمان وسياسته ، هم أحوج ما يكونون إلى أن يتحسسوا أمراضهم المختلفة ثم يداووها بدراسة شيء من مناقب هذا الخليفة العظيم والاهتداء بسيرته وسلوكه . ومهما يكن من شأن عثمان في خلافته ، فأي بقية من الأدب توجد عند من يسمع كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم » ، ثم يمضي بعد ذلك منتشيا بنقده وتسفيه سياسته ؟ ! . 2 - ( كلمة عن حديث أبي بكر وما اختلقه البعض من زيادة فيه ، ليسوغوا بها بدعة من أهم البدع المحرمة ) : ذكرنا الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود ، عن تقديم أبي بكر ماله كله للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه أجابه عليه الصلاة والسلام حينما سأله ، « ما أبقيت لأهلك » : أبقيت لهم اللّه ورسوله . وقد اختلق بعضهم زيادة على الحديث : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له : « يا أبا بكر إن اللّه راض عنك فهل أنت راض عنه ؟ » . فاستفزّه السرور والوجد ، وقام يرقص أمام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائلا : كيف لا أرضى عن اللّه ؟ ! . . ثم ذهبوا يجعلون من هذه الزيادة