محمد سعيد رمضان البوطي

328

فقه السيرة ( البوطي )

له فيه طعاما ، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الشمس والريح والحر ، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيىء وامرأة حسناء في ماله مقيم ؟ ! ما هذا واللّه بالنصف ، ثم قال : واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهيأتا له زادا ، ثم قدّم ناضحه فارتحله وخرج في طلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك ، ولما دنا أبو خيثمة من المسلمين قالوا : هذا راكب على الطريق مقبل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كن أبا خيثمة » ! فقالوا : يا رسول اللّه ، هو واللّه أبو خيثمة ، فلما أناخ أقبل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « أولى لك يا أبا خيثمة ! » . . ثم أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر فدعا له صلى اللّه عليه وسلم بخير . وعانى المسلمون في هذه الرحلة جهودا شاقة وأتعابا جسيمة . روى الإمام أحمد وغيره أن الرجلين والثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد ، وأصابهم عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها « 1 » . وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال : لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ، فقالوا : يا رسول اللّه ! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنا ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « افعلوا » فجاء عمر فقال : يا رسول اللّه إنهم إن فعلوا قل الظهر ، ولكن أدعهم بفضل أزوادهم ثم ادع لهم بالبركة لعل اللّه أن يجعل فيه ذلك ، فدعا عليه الصلاة والسلام بنطع فبسطه ، ثم دعاهم بفضل أزوادهم ، فجعل الرجل يجيء بكف الذرة ، والآخر بكف التمر والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير ، ثم دعا عليه بالبركة ، ثم قال لهم : « خذوا في أوعيتكم » قال : فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملأوه وأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت منه فضلة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه ، لا يلقى اللّه بهما عبد غير شاكّ فتحجب عنه الجنة » « 2 » . ولما انتهوا إلى تبوك ، لم يجدوا هناك كيدا ولا قتالا ، فقد اختفى وتفرق أولئك الذين كانوا قد تجمعوا للقتال ، ثم أتاه يوحنة حاكم « أيلة » فصالح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه أيضا الجزية ، وكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك لهم كتابا .

--> ( 1 ) ورواه ابن سعد في طبقاته 3 / 220 . ( 2 ) رواه أحمد في مسنده ، وأورده الحافظ ابن كثير في تاريخه ، ثم قال : ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش .