محمد سعيد رمضان البوطي

32

فقه السيرة ( البوطي )

للمستشرق الإنكليزي المعروف « جيب » فستبصر حينئذ مدى ما تفعله العصبية العمياء بهؤلاء الناس ، تلك العصبية العجيبة التي كثيرا ما تحمل صاحبها على أن يتجرد حتى من مقومات كرامته وأن يتباله أمام شوامخ الأدلة والحقائق الناصعة كي لا يلزم بالخضوع لها . إن بنية الفكر الديني في الإسلام بنظر جيب إنما هي تلك العقائد والأفكار الغيبية عند العرب : ( الإحيائية العربية ) فقد تأمل محمد صلى اللّه عليه وسلم فيها فغير ما أمكنه تغييره ثم عمد إلى الباقي مما لم يمكنه التخلص منه فكساه حلّه الدين والإسلام ، ثم لم ينس أن يدعمه بهيكل من الأفكار والمواقف الدينية الملائمة . وهنا واجهته المشكلة العظمى التي اعترضت سبيله ، فهو يريد أن يا بني هذه الحياة الدينية لا للعرب فقط بل لشعوب وأمم بأسرها ، فكان أن أقام هذه الحياة ضمن منهج القرآن . تلك هي خلاصة أفكاره في الكتاب ، وتقرأ هذه الأفكار من أولها إلى آخرها فلا تجده يقدم إليك دليلا واحدا على شيء مما يقول ، وتتأمل في هذا الذي يعرضه ، فلا تشك في أن الرجل قد استودع قواه العقلية بعيدا عن المكان الذي جلس يكتب فيه ، واستعاض عنها بأوهام وخيالات خصبة راح يستوحي منهما كل ما يقرره ويحكم به . ويبدو أنه حينما جلس يكتب مقدمة الترجمة العربية له ، تصور كيف أن القراء سينبذون أفكاره هذه عن الإسلام باحتقار ، فراح يعتذر ! . . راح يعتذر بأن قال : إن الأفكار التي أسست عليها هذه الفصول ليست بنات دماغ هذا المؤلف ، بل سبقني إليها ودلني عليها جماعة من المفكرين ومن أقطاب المسلمين ، وقد يطول إحصاؤهم ، فسأكتفي بذكر أحدهم بسبيل المثال ، هو الشيخ الكبير شاه ولي اللّه الدهلوي . ثم نقل نصا للشاه وليّ اللّه الدهلوي عزاه إلى ج 1 ص 122 من كتابه « حجة اللّه البالغة » ، ويبدو أنه اطمأن إلى أن أحدا من القراء لن يجشم نفسه مشقة الرجوع إلى الكتاب والتأكد من النص الذي فيه ، فحرف على لسان الرجل ما شاء له هواه . واقتنص منه ما رآه كفيلا بتحوير معناه وتنكيس مقصده ، حتى حمله بذلك من الوزر ما لم يحمل وأنطقه بما هو منه بريء . فأما النص كما انتزعه واقتنصه من أصله فهو ما يلي : « إن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث بعثة تتضمن بعثة أخرى ، فالأولى إنما كانت إلى بني إسماعيل . . وهذه البعثة تستوجب أن تكون مادة شريعته ما عندهم من الشعائر وسنن