محمد سعيد رمضان البوطي
309
فقه السيرة ( البوطي )
حينما دخل بعد ذلك وجد آثارا لتلك الرسوم على بعض جدرانها فدعا بماء وجعل يبالغ في حتها ومحوها . وهذا يدل بوضوح على حكم الإسلام في حق التصوير والصور المجسمة وغير المجسمة ، ولننقل لك في ذلك نص الإمام النووي رحمه اللّه تعالى في شرحه على صحيح مسلم ، قال : « قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : تصوير صورة الحيوان حرام شديد الحرمة ، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث ، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره ، فصنعته حرام على كل حال ، لأن فيه مضاهاة بخلق اللّه تعالى ، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها . أما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان ، فليس بحرام . هذا حكم نفس التصوير ، وأما حكم اتخاذ المصوّر فيه صورة حيوان ، فإن كان معلقا على الحائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك ، مما لا يعد ممتهنا ، فحرام ، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها ، مما يمتهن ، فليس بحرام ، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت ؟ فيه كلام نذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . ولا فرق في هذا كله بين ما له ظلّ وما لا ظلّ له ، هذا تلخيص مذهبنا في هذه المسألة ، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم ، وقال بعضهم : إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصورة التي ليس لها ، وهذا مذهب باطل ، فإن الستر الذي أنكر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الصور فيه « 1 » ، لا يشك أحد أنه مذموم ، وليس لصورته ظل ، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة . ثم قال رحمه اللّه تعالى : « وأجمعوا على منع ما كان له ظل ، ووجوب تغييره ، قال القاضي : إلا ما ورد في اللعب بالبنات « اللّعب » لصغار البنات ، ففي ذلك رخصة » « 2 » . قلت : ويستشكل الناس حكم الصور الفوتو غرافية اليوم : هل هي في حكم الرسوم
--> ( 1 ) يقصد بذلك ما رواه مسلم عن عائشة قالت : دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا متسترة بقرام فيه صور - أي متخذة ستائر رقيقة عليها صور - فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه ، ثم قال : « إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق اللّه » . ( 2 ) النووي على صحيح مسلم : 14 / 81 .