محمد سعيد رمضان البوطي

30

فقه السيرة ( البوطي )

الجاهلي أخذ يستيقظ قبيل البعثة على السبيل الأمثل الذي يجب اتباعه ، وأخذت الأفكار العربية تثور على مظاهر الشرك وعبادة الأصنام وما يحف بها ويتبعها من خرافات الجاهلية ، ولقد تمثلت هذه اليقظة ببعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ودعوته الجديدة . ومعنى هذه الدعوة - كما لا يخفى عليك - أن التاريخ الجاهلي كان يزداد تفتحا على حقائق التوحيد ونور الهداية مع امتداد الزمن وتطاول الدهر ، أي إنهم كلما ابتعدوا عن عهد إبراهيم وقامت بينه وبينهم قرون أخرى ، ازدادوا قربا إلى مبادئه ودعوته حتى بلغ هذا القرب مداه الأخير إبّان بعثة المصطفى عليه الصلاة والسلام ! . . أفهكذا يقرر التاريخ ، أم إنه يقرر عكس ذلك تماما في أبسط ما تنطق به « ألف باؤه » الواضحة المفهومة ؟ . كل باحث ومتأمل حرّ ، يعلم أن العهد الذي بعث فيه محمد عليه الصلاة والسلام ، إنما كان أبعد العهود الجاهلية عن هديه عليه الصلاة والسلام بالنسبة لسائر العهود السابقة الأخرى ، والأطلال التي كانت لدى العرب عند بعثته من معالم الحنيفية ومبادئها ، والتي كانت تتمثل في لمع خاطفة من كراهية الأصنام والترفع عن عبادتها وفي النزوع إلى بعض الفضائل والقيم التي أقرها الإسلام . هذه الأطلال لا تبلغ معشار ما كان بارزا واضحا منها لديهم قبل بضعة قرون ، وقد كان المتوقع إذا حسب تصور هؤلاء الناس لمعنى النبوة والبعثة ، أن تكون بعثته عليه الصلاة والسلام قبل الزمن الذي بعث فيه بعدة قرون وأجيال ! ! . . وأما أناس آخرون ، فقد طاب لهم أن يقرروا بأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لمّا لم يستطع القضاء على معظم ما كان معروفا لدى العرب من الأعراف والتقاليد والطقوس والاعتقادات الغيبية ، عمد فأسبغ على كل ذلك ثوب الديانة وأخرجه فخرج التكليفات الإلهية ، وبتعبير آخر : إنما أتى محمد عليه الصلاة والسلام ليضيف إلى جملة العقائد الغيبية عند العرب رقابة عليا قوامها شخصية إله قادر على ما يشاء ، فعال ما يريد ، فقد استمر العرب بعد الإسلام يؤمنون بالسحر وبالجن وبسائر العقائد المماثلة ، كما أنهم ظلوا على ما كانوا عليه من الطواف بالكعبة وتقديسها وأداء طقوسها وشعائر معينة نحوها . وإنما ينطلق هؤلاء في دعواهم هذه من فرضيتين اثنتين لا يريدون أن يتصوروا خطأهما بحال ، الفرضية الأولى : أن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس نبيا ، الثانية : أن ما كان لدى العرب من بقايا عهد إبراهيم التي تحدثنا عنها ، إنما هو من مخترعاتهم وتقاليدهم التي ابتدعوها مع الزمن من عند أنفسهم ، فليس احترام الكعبة وتقديسها أثرا من