محمد سعيد رمضان البوطي
281
فقه السيرة ( البوطي )
رابعا : ويدل أيضا عمله صلى اللّه عليه وسلم على أنه ينبغي على المسلمين أن يهيئوا للدعوة الإسلامية في كل أرجاء الأرض وسائلها وأسبابها ، ومن أهم أسباب ذلك ، المعرفة بلغة الأمم والأقوام الذين يقومون بدعوتهم إلى الإسلام ، وتعريفهم بمبادئه وأحكامه ، فقد رأينا أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث ستة رجال من أصحابه في يوم واحد ليتفرقوا إلى الملوك الذين أرسلهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إليهم وكان كل واحد منهم يتقن لغة القوم الذين بعثه إليهم . خامسا : يدل عمله صلى اللّه عليه وسلم هذا ، مع ملاحظة التوقيت الذي جاء فيه على أن على المسلمين أن يقوموا أولا بمسؤولية الدعوة فيما بينهم ، وأن يصلحوا من أنفسهم ، حتى إذا قطعوا من ذلك شوطا كبيرا وفرغوا من تطبيق نظام الإسلام على حياتهم وسلوكهم ، آن لهم حينئذ أن يقوموا بهذا الواجب الثاني ، وقد كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قادرا أن يرسل عددا من أصحابه إلى هؤلاء الرؤساء والملوك قبل هذا التاريخ بكثير ، غير أن ذلك ينطوي على الإخلال بهذا الواجب الذي ذكرناه ، وينبغي أن نعلم أن إصلاح المسلمين أنفسهم هو بنفسه جزء عظيم من دعوة غيرهم إلى الإسلام ، فالناس كانوا ولا يزالون يبحثون عن المثل الصالح في السلوك والخلق ، ليقتفوا أثره ويتبعوه ، ولو أن المسلمين اليوم كانوا معتزين بإسلامهم مطبقين مبادئه وأحكامه لرأيت ذلك الشعاع الهادي متوغلا بضيائه في مجاهل أفريقيا وأقاصي أوروبا . هذا وقد كان زمن إرسال هذه الرسائل والكتب ، خلال العام السابع للهجرة ، كما ذكرنا ، أي قبل الفتح ، وذلك هو الحين الذي أجمع عليه عامة علماء السيرة ، ولا يخلّ بذلك ما دل عليه صنيع الإمام البخاري في صحيحه ، فلقد أورد خبر كتبه صلى اللّه عليه وسلم بعد غزوة تبوك ، وذلك يدل على أنه إنما كان في العام التاسع . قال ابن حجر : إن الجمع بين القولين أنه صلى اللّه عليه وسلم ، كاتب قيصر مرتين وهذه الثانية قد وقع التصريح بها في مسند الإمام أحمد ، وكاتب النجاشي الذي أسلم ، وصلى عليه مات ، ثم كاتب النجاشي الذي ولّي بعده ، وكان كافرا .