محمد سعيد رمضان البوطي
278
فقه السيرة ( البوطي )
العبر والعظات : معالم المرحلة الجديدة : حديث هذه السرايا التي بعثها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منتشرة في القائل ، والكتب التي أرسلها إلى مختلف ملوك ورؤساء العالم ، جزء من المظاهر التي تميز هذه المرحلة من الدعوة في حياته عليه الصلاة والسلام ، عن المرحلة التي قبلها . لقد كانت المرحلة التي تسير فيها الدعوة من بدء الهجرة إلى صلح الحديبية ، مرحلة دفاعية كما قلنا ، إلى جانب القيام بمهام الدعوة السلمية ، فلم يحدث خلال تلك المرحلة أن بدأ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هجوما أو شن غزوة على فئة ما من الناس ، ولم يحدث أن أرسل سرية إلى قبيلة ما ليدعوهم إلى الإسلام . فإن أبوا قاتلوهم عليه . فما أبرم صلح الحديبية بين المشركين من قريش والمسلمين في المدينة ، واطمأنت أفئدة المسلمين واستراحوا من متاعب قريش ومناوشاتهم ، تفرغ النبي صلى اللّه عليه وسلم للدخول في مرحلة جديدة لا بد منها في حكم الشريعة الإسلامية التي بعث لتبليغها وتطبيقها ، ألا وهي مرحلة قتال أولئك الذين بلغتهم الدعوة فوعوها وفهموها ، ولكنهم استكبروا عن الإيمان بها والإذعان لها حقدا وعدوانا . إنها المرحلة التي بها أنجز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعوة ربه ، وهي المرحلة التي أصبحت - بعمله وقوله - حكما شرعيا باتفاق المسلمين في كل عصر إلى يوم القيامة ، وهي المرحلة التي يحاول محترفو الغزو الفكري أن يطمسوا عليها ويغيبوها عن أعين المسلمين ، بزعم أن كل ما يتعلق بالجهاد في الشريعة الإسلامية إنما هو قائم على أساس الحرب الدفاعية ورد العدوان ، وها هي ذي هيئة الأمم قامت لتتولى الدفاع ورد العدوان عن المستضعفين ، فلا حاجة إلى استبقاء مبدأ الحرب الدفاعية أيضا . وليس سرا خافيا أن الأمر الذي يدعوهم إلى هذا الكيد والتضليل في البحث ، إنما هو الخوف الشديد لدى الدول الأجنبية - غربيها وشرقيها على السواء - من أن يعود فيستيقظ في نفوس المسلمين معنى الجهاد في سبيل اللّه ، ثم يتصل هذا المعنى بجذوة الإيمان في قلوبهم ! . . فلئن تم هذا ، فسيتم عندئذ لا محالة انهيار الحضارة الأوروبية مهما تطاول بنيانها . ولقد نضجت عقلية الرجل الأوروبي لمعانقة الإسلام بمجرد أن يسمع دعوة خالصة إليه ، فكيف بالدعوة الخالصة تتلوها تضحية وجهاد ؟ ! . . حكمة مشروعية هذه المرحلة : ولعلك تسأل الآن : فما هي الحكمة من أن يساق المشرك أو الملحد إلى الإسلام