محمد سعيد رمضان البوطي
267
فقه السيرة ( البوطي )
الاستدلال على هذا عدم رد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم النساء اللاتي جئن هاربات بدينهن ، ونهي القرآن صراحة عن ذلك ، كما مر بيانه في حينه . ولعلك تقول : أفلم يخالف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك عهدا قطعه على نفسه ، وذلك إذ وافق على رد كل من أتاه مسلما من مكة ؟ . . والجواب : أن ذلك ليس نصا في خصوص النساء ، بل يحتمل أنه لا ينحطّ إلا على الرجال وحدهم ، ومهما يكن فقد علمت فيما سبق أن تصرفات النبي صلى اللّه عليه وسلم لا تكتسب قوة الحكم الشرعي إلا إذا أقرها الكتاب بالسكوت عليها أو التأكيد لها ، ولقد أقر الكتاب كل بنود المصالحة ، إلا ما يتعلق بردّ النساء إلى بلد الكفر ، فلم يقره ، وذلك على فرض دخوله في بنود الاتفاقية وشروطها . ثامنا : ( حكم الإحصار في العمرة والحج ) ، ودل عمل الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد الفراغ من أمر الصلح ، من التحلل والنحر والحلق ، على أن المحصر يجوز له أن يتحلل ، وذلك بأن يذبح شاة حيث أحصر أو ما يقوم مقامها ويحلق ثم ينوي التحلل مما كان قد أهل به ، سواء كان حجا أو عمرة . كما دل ذلك على أن المتحلل لا يلزم بقضاء الحج أو العمرة إذا كان متطوعا ، وخالف الحنفية فرأوا أن القضاء بعد المباشرة واجب ، بدليل أن جميع الذين خرجوا معه صلى اللّه عليه وسلم في صلح الحديبية خرجوا معه في عمرة القضاء التي سيأتي ذكرها ، إلا من توفي أو استشهد منهم في غزوة خيبر . غزوة خيبر ثم سار النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى خيبر ، في أواخر المحرم للسنة السابعة من الهجرة ، وخيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع تقع على بعد مائة ميل شمال المدينة جهة الشام . وكان مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الغزوة ألف وأربعمائة مقاتل ما بين فارس وراجل ، قال ابن هشام : فلما أشرف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه : « قفوا » ، ثم قال : « اللهم رب السماوات ومن أظللن ، ورب الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ، أقدموا باسم اللّه » . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا غزا قوما ، لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار ، فبات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأقبل ، فرآه عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وفؤوسهم ومكاتلهم ، يقصدون مزارعهم ، فلما رأوه صلى اللّه عليه وسلم ، صاحوا : محمد