محمد سعيد رمضان البوطي

265

فقه السيرة ( البوطي )

فهو التوسل بقربه صلى اللّه عليه وسلم إلى ربه ، وبرحمته الكبرى للخلق . وبهذا المعنى توسل الأعمى به صلى اللّه عليه وسلم في أن يرد عليه بصره ، فرده اللّه عليه « 1 » ، وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أي إنكار ، وقد مر في هذا الكتاب بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة في الاستسقاء وغيره ، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة الحنبلي والصنعاني وغيرهم « 2 » . والفرق بعد هذا ، بين حياته وموته صلى اللّه عليه وسلم ، خلط عجيب وغريب في البحث لا مسوّغ له . رابعا : ( حكم الوقوف على الإنسان وهو قاعد ) ، لقد علمت مما سبق أن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه ، كان واقفا على رأس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومعه السيف ، وكلما أهوى عروة بن مسعود بيده إلى لحية النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ضرب يده بنصل السيف ، قائلا : أخر يدك عن وجه رسول اللّه . وقد كنا ذكرنا فيما مضى عند الحديث عن غزوة بني قريظة ، أنه لا يشرع القيام على رأس أحد وهو قاعد ، وأن ذلك من مظاهر التعظيم الذي تعارفه الأعاجم فيما بينهم وأنكره الإسلام ، وإنه التمثل الذي نهى عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار » ، فكيف كان الأمر على خلاف ذلك هنا ؟ . والجواب : أنه يستثنى من عموم المنع ، مثل هذه الحالة بخصوصها ، أي في حالة قدوم رسل للعدو إلى الإمام أو الخليفة ، فلا بأس حينئذ من قيام حرس أو جند على رأسه ، إظهارا للعزة الإسلامية ، وتعظيما للإمام ووقاية له مما قد يفاجأ به من سوء « 3 » . أما في أعم الأحوال فلا يجوز ذلك لمخالفته مقتضى التوحيد والعقيدة الإسلامية ، دون أي ضرورة إليه .

--> ( 1 ) حديث توسل الأعمى برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ورجوع بصره إليه ، حديث صحيح رواه الترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عثمان بن حنيف رضي اللّه عنه أن رجلا أعمى جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهم جلوس معه ، فشكا إليه ذهاب بصره فأمره الصبر ، فقال : ليس لي قائد وقد شق علي فقد بصري ، فقال : « أئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل : اللّهم أني أتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي اللّهم شفعه فيّ » ، وفي بعض الروايات بزيادة : فإن كان لك حاجة فمثل ذلك ، قال عثمان بن حنيف : فو اللّه ما تفرق بنا المجلس حتى دخل علينا فكان بصيرا . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر زاد المعاد لابن القيم : 2 / 114 .