محمد سعيد رمضان البوطي

26

فقه السيرة ( البوطي )

به : بعث إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ، يقول اللّه تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) [ البقرة : 130 - 132 ] . وبه : بعث موسى إلى بني إسرائيل ، يقول اللّه تعالى عن سحرة فرعون : قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) [ الأعراف : 125 و 126 ] . وبه : بعث عيسى عليه الصلاة والسلام ، يقول اللّه تعالى : * فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) [ آل عمران : 52 ] . قد يقال : فلماذا يحتفظ الذين يدّعون نسبتهم إلى موسى عليه الصلاة والسلام بعقيدة خاصة تختلف عن عقيدة التوحيد التي بعث بها الأنبياء كلهم ؟ ولماذا يؤمن الذين يدّعون نسبتهم إلى عيسى عليه الصلاة والسلام بعقيدة خاصة أخرى ؟ والجواب على هذا : ما قاله اللّه عز وجل في كتابه الكريم : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ آل عمران : 19 ] . وما قاله أيضا في سورة الشورى عقب قوله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . . [ الشورى : 13 ] الآية : وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 14 ) [ الشورى : 14 ] . فالأنبياء كلهم بعثوا بالإسلام الذي هو الدين عند اللّه ، وأهل الكتاب يعلمون وحدة الدين ويعلمون أن الأنبياء إنما جاؤوا ليصدق كل واحد منهم الآخر فيما بعث به من الدين ، وما كانوا ليتفرقوا إلى عقائد متباينة مختلفة ولكنهم اختلفوا وتفرقوا واختلفوا على أنبيائهم ما لم يقولوه ، رغم ما جاءهم من العلم في ذلك ، بغيا بينهم كما قال اللّه تعالى .