محمد سعيد رمضان البوطي

251

فقه السيرة ( البوطي )

النبيّ صلى اللّه عليه وسلم للأنصار بالقيام إليه حينما أقبل إليهم ، وتلك مزية كبرى لسعد حينما يكون هذا الأمر صادرا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثم تجد ذلك في قصة الجرح الذي كان قد أصابه في كاحله في غزوة الخندق ، لقد رفع يديه يدعو اللّه تعالى يوم أن أصابه هذا الجرح قائلا : « اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى اللّه عليه وسلم وأخرجوه ، اللهم فإن بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك » وقد استجيب دعاء سعد فتحجر جرحه وتماثل للشفاء ، حتى كانت غزوة بني قريظة ، وجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحكم فيهم إليه ، وكفى اللّه المؤمنين شرّ اليهود وتطهرت المدينة من أرجاسهم ، رفع سعد يده يدعو اللّه ثانية يقول : « اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم - يعني قريشا والمشركين - فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها » ، وقد استجيب دعاؤه فانفجر جرحه تلك الليلة ومات رحمه اللّه تعالى . قال ابن حجر في الفتح : والذي يظهر لي أن ظن سعد كان مصيبا وأن دعاءه في هذه القصة كان مجابا ، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيها من المشركين ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة ، وكادت الحرب أن تقع بينهم فلم تقع كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [ الفتح : 24 ] . ثم وقعت الهدنة ، واعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قابل ، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد فتوجه إليهم غازيا ، ففتحت مكة « 1 » . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في منصرفه عن غزوة الأحزاب ، فيما رواه البخاري : « الآن نغزوهم هم ولا يغزوننا ، نحن نسير إليهم » ، وأخرج البزار بإسناد حسن من حديث جابر أنه صلى اللّه عليه وسلم قال يوم الأحزاب ، وقد جمعوا له جموعا كثيرة : « لا يغزونكم بعد هذا أبدا ولكن أنتم تغزونهم » . وأخيرا : فإن قصة سعد هذه ، بملابساتها التي ذكرناها ، تذكرك بما كنا قررناه سابقا من أن الحرب الدفاعية في الإسلام ما كانت إلا مرحلة من مراحل الدعوة التي سار فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد جاءت من بعدها مرحلة دعوة الناس كلهم إلى الإسلام بحيث لا يقبل من الملاحدة والمشركين إلا الإسلام ، ولا يقبل من أهل الكتاب إلا الدخول فيه أو

--> ( 1 ) فتح الباري : 7 / 292 .