محمد سعيد رمضان البوطي

247

فقه السيرة ( البوطي )

فيك من قوم كذبوا رسولك صلى اللّه عليه وسلم ، وأخرجوه ، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك ، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها ، واجعل موتي فيها ، فانفجرت من لبّته ، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم ، فقالوا : يا أهل الخيمة ما الذي يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها رضي اللّه عنه « 1 » ، وفي رواية أحمد أن جرحه حينما انفجر كان قد برئ إلا مثل الخرص - حلي يوضع في الأذن - أي إلا شيء يسير قد بقي منه . ثم استنزل اليهود من حصونهم فسيقوا إلى خنادق في المدينة ، فقتل مقاتلهم - أي رجالهم - وسبى ذراريهم ، وكان في جملة من سيق إلى القتل فقتل : حيي بن أخطب الذي كان قد سعى حتى أقنع بني قريظة بالغدر ونقض العهد ، روى ابن إسحاق أنه جيء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل ، فلما نظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أما واللّه ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكنه من يخذل اللّه يخذل ، ثم جلس فضربت عنقه . العبر والعظات : استنبط علماء الحديث والسيرة من قصة بني قريظة هذه أحكاما هامة نجملها فيما يلي : أولا : ( جواز قتال من نقض العهد ) ، وقد جعل الإمام مسلم رحمه اللّه هذا الحكم عنوانا لغزوة بني قريظة ، فالصلح والمعاهدة والاستئمان بين المسلمين وغيرهم ، كل ذلك ينبغي احترامه على المسلمين ، ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان ، وحينئذ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة في ذلك . ثانيا : ( جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهامهم ) ، قال النووي رحمه اللّه : فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهامّهم العظام ، والرجوع في ذلك إلى حكم مسلم عادل صالح للحكم ، وقد أجمع العلماء عليه في شأن الخوارج ، فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم ، وأقام الحجة عليهم . وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر ، وعليه الحكم بما فيه مصلحة المسلمين ،

--> ( 1 ) متفق عليه واللفظ للبخاري .