محمد سعيد رمضان البوطي

231

فقه السيرة ( البوطي )

والمرسلين ، فاستقبلها كما يستقبل مثلها أي بشر من الناس ، ليس له اطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول ، ولا على قصد ملفّق كاذب ، فاضطرب كما يضطربون ، وشك كما يشكون ، وأخذ يقلّب الرأي على وجوهه ، ويستنجد في ذلك بمشورة أولي الرأي من أصحابه . وكان من مقتضى الحكمة الإلهية في إبراز هذا الجانب الإنساني المجرد فيه صلى اللّه عليه وسلم ، أن يتأخر الوحي كل هذه الفترة التي تأخرها ، كي تتجلى للناس حقيقتان ، كل منهما على غاية من الأهمية . أما الحقيقة الأولى ، فهي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشرا من الناس ، فلا ينبغي لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية ، فينسب إليه من الأمور أو التأثير في الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا للّه وحده . وأما الحقيقة الثانية ، فهي أن الوحي الإلهي ليس شعورا نفسيا ينبثق من كيان النبي صلى اللّه عليه وسلم كما أنه ليس شيئا خاضعا لإرادته أو تطلعه وأمنياته ، إذ لو كان كذلك ، لكان من السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها ونتائجها ، ويجعل مما يعتقد من الخير والاستقامة في أهله قرآنا يطمئن به أصحابه المؤمنين ، ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول ، ولكنه لم يفعل ، لأنه لا يملك ذلك . ولننقل لك ما يقوله في بيان هذه الحقيقة الدكتور محمد عبد اللّه دراز في كتابه « النبأ العظيم » يقول : ( ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضي اللّه عنها ، وأبطأ الوحي وطال الأمر والناس يخوضون ، حتى بلغت القلوب الحناجر ، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس « إني لا أعلم عنها إلا خيرا » ثم إنه بعد أن بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب ومضى شهر بأكمله والكل يقولون : ما علمنا عليها من سوء ، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر : « يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه » ) . هذا كلامه بوحي ضميره ، وهو كما ترى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب ، وكلام الصديق المتثبت الذي لا يتبع الظن ولا يقول ما ليس له به علم ، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنا براءتها ومصدرا الحكم المبرم بشرفها وطهارتها . فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل