محمد سعيد رمضان البوطي

22

فقه السيرة ( البوطي )

وهي ليست ، كما يظن البعض ، أن أصحاب التدين الباطل والحضارات الزائفة يصعب فيهم العلاج والتوجيه لافتخارهم بما هم عليه من الفساد ، ولرؤيتهم إياه شيئا صالحا ، أما الذين لا يزالون يعيشون في فترة البحث والتنقيب ، لا ينكرون جهلهم ولا يدّعون ما لم يؤتوه من مدنية وعلم وحضارة ، فهم أطوع للعلاج والتوجيه ، نقول : ليست هذه هي الحكمة ، لأن مثل هذا التحليل يصدق بالنسبة لمن كانت قدرته محدودة وطاقته مخلوقة فهو يفرق بين ما هو سهل وصعب عليه ، فيفضل الأول ويتهرب من الثاني طمعا في الراحة وكراهية للنصب . ولو تعلقت إرادة اللّه تعالى بأن يجعل مشرق الدعوة الإسلامية من جهة ما في أرض فارس أو الروم أو الهند ، لهيأ لنجاح الدعوة فيها من الوسائل ما هيأ لها في الجزيرة العربية ، وكيف يعز ذلك عليه وهو خالق كل شيء ومبدع كل وسيلة وسبب . ولكن الحكمة في هذا الاختيار ، من نوع الحكمة التي اقتضت أن يكون الرسول أميّا لا يتلو من كتاب ولا يخطه بيمينه كما قال اللّه تعالى حتى لا يرتاب الناس في نبوته عليه الصلاة والسلام وحتى لا تتكاثر لديهم أسباب الشك في صدق دعوته . إذ من تتمة هذه الحكمة الإلهية أن تكون البيئة التي بعث فيها عليه الصلاة والسلام أيضا بيئة أمية بالنسبة للأمم الأخرى التي من حولها أي لم يتطرق إليها شيء من الحضارات المجاورة لها ، ولم تتعقد مناهجها الفكرية بشيء من تلك الفلسفات التائهة من حولها . ذلك أنه كما يخشى من دخول الريبة في صدور الناس إذا ما رأوا النبي متعلما مطلعا على الكتب القديمة وتاريخ الأمم البائدة وحضارات الدول المجاورة ، كذلك يخشى من دخول هذه الريبة في الصدور إذا ما ظهرت الدعوة الإسلامية بين أمة لها شأن في الحضارة والمدنية والفلسفة وتاريخ ذلك ، كدولة الفرس أو اليونان أو الرومان ، إذ رب مرتاب مبطل يزعم أنها سلسلة التجارب الحضارية والأفكار الفلسفية أبدعت أخيرا هذه الحضارة الفذة والتشريع المتكامل . ولقد أوضح القرآن الكريم هذه الحكمة بصريح العبارة حينما قال : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 2 ) [ الجمعة : 2 ] . فلقد اقتضت إرادة اللّه تعالى أن يكون رسوله أميا ، وأن يكون القوم الذين ظهر فيهم هذا الرسول أميين أيضا في غالبيتهم العظمى ، حتى تكون معجزة النبوة والشريعة