محمد سعيد رمضان البوطي
216
فقه السيرة ( البوطي )
فقال : « ما هذا » ؟ قالوا : يا رسول اللّه هذا جمل جاء به جابر ، قال : « فأين جابر » ؟ فدعيت له فقال : « يا ابن أخي ، خذ برأس جملك فهو لك » ، ودعا بلالا فقال له : « اذهب بجابر فأعطه أوقية » ، فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا ، فو اللّه ما زال ينمو عندي ويرى مكانه من بيتنا « 1 » . العبر والعظات : تحقيق في تاريخ هذه الغزوة : اتفق علماء المغازي والسير ، كما أسلفنا ، على أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل خيبر ، ثم رجّح معظمهم أنها كانت بعد غزوة بني النضير في العام الرابع للهجرة وذهب بعضهم كابن سعد وابن حبان إلى أنها في العام الخامس . غير أن الإمام البخاري نصّ في صحيحه على أنها كانت بعد خيبر ، ولكنها مع ذلك جاءت في ترتيب كتابه قبلها ! . . ورجح الحافظ ابن حجر ما ذهب إليه البخاري مستدلا بأن صلاة الخوف كانت مشروعة في ذات الرقاع مع أنه لم يصلّها في الخندق وقد فاتته فصلاها قضاء ، كما استدل بما روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري يصف كيف نقبت أقدامهم في ذات الرقاع حتى لفّوا عليها الخرق فلذلك سميت بذات الرقاع ، وأبو موسى الأشعري لم يعد من الحبشة إلا بعد غزوة خيبر . واستشكل ابن القيم الأمر على ضوء هذه الأدلة فقال : إن هذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع ربما كانت بعد غزوة الخندق « 2 » . قلت : بل يتعين أن تكون غزوة ذات الرقاع هذه قبلها ، إذ ثبت في الصحيح أن جابرا رضي اللّه عنه استأذن الرسول إلى بيته في غزوة الخندق وأخبر امرأته بما رأى من جوع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه قصة الطعام الذي دعا إليه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه وفيه أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لزوجة جابر : « كلي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة » ، وثبت في الصحيحين أيضا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سأل جابرا في غزوة ذات الرقاع « هل تزوجت بعد » ؟ قال : نعم يا رسول اللّه . . الحديث وقد مرّ مفصلا ، أي فلم يكن قد علم النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد شيئا عن زواجه . فهذا يدل دلالة واضحة على أن ذات الرقاع كانت قبل الأحزاب فضلا عن خيبر .
--> ( 1 ) سياق القصة بهذا اللفظ لابن إسحاق كما رواه ابن هشام في السيرة ، وهي في البخاري ومسلم قريبة من ذلك . ( 2 ) انظر فتح الباري : 7 / 294 ، وعيون الأثر : 2 / 53 ، وزاد المعاد : 2 / 111 .