محمد سعيد رمضان البوطي
213
فقه السيرة ( البوطي )
غزوة ذات الرقاع وقد كانت في السنة الرابعة للهجرة ، بعد مرور شهر ونصف تقريبا على إجلاء بني النضير ، على ما ذهب إليه أكثر علماء السير والمغازي . ورجّح البخاري وبعض المحدثين أنها كانت بعد غزوة خيبر . وسببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين ، ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذي خرجوا يدعون إلى اللّه تعالى ، فخرج عليه الصلاة والسلام قاصدا قبائل محارب وبني ثعلب ، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري رضي اللّه عنه ، وعسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مكان بنجد من أرض غطفان يسمى « نخل » ، ولكن اللّه تعالى قذف في قلوب تلك القبائل الرعب - وقد كانت كما يقول ابن هشام جموعا كبيرة - فتفرقوا بعيدا عن المسلمين ، ولم يقع أيّ قتال . غير أن في قصة هذه الغزوة ، مع ذلك ، مشاهد تستأهل النظر فيها وأخذ الدرس منها ، فلنجتزىء عن ذكر القصة كلها ، بذكر هذه المشاهد : أولا : روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ، قال : فنقبت أقدامنا ، فنقبت قدماي وسقطت أظافري ، فكنا نلف على أرجلنا الخرق ، فسميت غزوة ذات الرقاع ، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق ، قال أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك ، قال كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه . ثانيا : روى البخاري ومسلم أنه صلى اللّه عليه وسلم صلى في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف ، وأن طائفة صفّت معه ، وطائفة وجاه العدو ، فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ، ثم سلّم بهم « 1 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري في 5 / 53 باب : غزوة ذات الرقاع ، ورواه مسلم في 2 / 214 باب : صلاة الخوف ، وزاد مسلم فروى بعد ذلك عن جابر أنه نودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، قال : فكانت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان ، قلت : ووجه التوفيق بين الحديثين -