محمد سعيد رمضان البوطي
210
فقه السيرة ( البوطي )
منوط بما يراه الإمام أو القائد من مصلحة النكاية بأعدائهم ، فالمسألة إذا من قبيل ما يدخل تحت اسم السياسة الشرعية . قال العلماء : وإنما كان قصد الرسول صلى اللّه عليه وسلم بتصرفه هذا في النخيل - قطعا أو كفا - تحقيق المصلحة وتلمّس السبيل إليها ، إرشادا وتعليما للأئمة من بعده . وبهذا أيضا علل الشافعي رحمه اللّه ، أمر أبي بكر رضي اللّه عنه بالإحراق والقطع ، حينما أرسل خالدا إلى طلحة وبني تميم ، مع أنه نهى هو نفسه عن ذلك في حروب الشام ، ويقول رحمه اللّه في هذا : « ولعل أمر أبي بكر بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجرا مثمرا ، إنما هو لأنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين ، فلما كان مباحا له أن يقطع ويترك ، اختار الترك نظرا للمسلمين » « 1 » . وهذا الذي قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا اقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء . وروي عن الليث بن سعد وأبي ثور والأوزاعي القول بعدم جوازه « 2 » . ثالثا : اتّفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال « وهو الفيء » يعود النظر والتصرف فيه إلى ما يراه الإمام من المصلحة ، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب ، مستدلين على ذلك بسياسته صلى اللّه عليه وسلم في تقسيم فيء بني النضير ، فقد خص به - كما رأيت - المهاجرين وحدهم ، وقد نزل القرآن تصويبا لذلك في الآيتين اللتين ذكرناهما . ثم اختلفوا في الأراضي التي غنمها المسلمون بواسطة الحرب ، فذهب مالك إلى أن الأرض لا تقسم مطلقا ، وإنما يكون خراجها وقفا لمصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضي القسمة فإن له ذلك ، ويذهب الحنفية قريبا من هذا المذهب . أما الشافعي فذهب إلى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم ، وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد أيضا . ودليل ما ذهب إليه الشافعي ، أن تصرف النبي صلى اللّه عليه وسلم بأموال بني النضير ، على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين في الحرب ، إنما كان بسبب عدم وجود أي قتال تسبّب عنه
--> ( 1 ) الأم : 7 / 324 ، وانظر في هذا الموضوع ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية للمؤلف : 170 - 171 . ( 2 ) انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 12 / 50 .