محمد سعيد رمضان البوطي
204
فقه السيرة ( البوطي )
المغامرة ، وليكن ما أراد اللّه تعالى في سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته . ثانيا : كنا قد قلنا في القسم الأول من هذا الكتاب ، إنه لا يجوز للمسلم المقام في دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه ، ويكره له ذلك إن أمكنه إظهار دينه ، والذي يدل عليه هذا المشهد من سيرته صلى اللّه عليه وسلم إنه يستثنى من ذلك ما إذا كان مقام المسلم في دار الكفر ابتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك ، فذلك من أنواع الجهاد الذي تتعلق مسؤوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذي إن قام به البعض قياما تاما سقطت المسؤولية عن الباقين ، وإلا اشتركوا كلهم في المأثم « 1 » . ثالثا : إذا تجاوزنا ما ينطوي عليه كل من حادثتي الرجيع وبئر معونة من دلالة واضحة على مدى ما كانت تفيض به أفئدة المشركين من غل وحقد على المؤمنين ، حتى إنهم ارتضوا لأنفسهم أحط مظاهر الخيانة والغدر ابتغاء إطفاء غليل أحقادهم على المسلمين . أقول : إذا تجاوزنا ذلك ، وقفنا على صورة رائعة لعكس هذه الطبيعة تماما لدى أولئك المسلمين الذين راحوا ضحية تلك الخيانة والأحقاد ، فقد رأيت كيف حبس خبيب رضي اللّه عنه أسيرا في بيت بني الحارث في انتظار ساعة قتله ، وكان قد استعار شفرة ليصلح بها شأنه ويتطهر استعدادا للموت ، وفي البيت طفل صغير راح يدرج نحوه في غفلة من أمه ، ولقد كانت هذه اللحظة في حساب من يتعلق بالحياة ويفكر في الانتقام ، فرصة رائعة لمساومة أو غدر في مقابل غدر ، ولقد كان هذا هو حساب أهل البيت كلهم ، فما إن انتبهت أم الطفل إلى انصرافه نحو خبيب حتى هبت مذعورة لتخلصه من براثن موت مؤكد ! . . ولكنها وقفت مندهشة عندما رأت طفلها وقد أجلسه خبيب في حجره يلاطفه كأنه أب شفوق ! . . ونظر إليها وقد ألمّ بما في نفسها من الخوف ، وقال لها في هدوء المؤمن الحليم : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء اللّه . فانظر إلى معجزة التربية الإسلامية للإنسان ! . خبيب هذا ، وأولئك المشركون الحاقدون الذين راحوا ينصعون له الموت ظلما وعدوانا ، عرب أنبتتهم أرض واحدة وأظلتهم طبائع وتقاليد واحدة ، ولكن خبيبا اعتنق الإسلام فأخرجه الإسلام إنسانا آخر ، وأولئك عكفوا على ضلالاتهم ، فحبستهم ضلالاتهم في طبائعهم المتوحشة الغادرة ، فما أعظم ما يفعله الإسلام في الطبيعة الإنسانية من تغيير وتحويل ! . .
--> ( 1 ) راجع مغني المحتاج : 4 / 239 .