محمد سعيد رمضان البوطي

200

فقه السيرة ( البوطي )

والتغلب على خصومهم ، ولا وقع الهزيمة وآلام الجروح الكثيفة في المسلمين حال شيء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم . وكيف كان السبيل ؟ . . لقد كان السبيل إلى ذلك آية إلهية خارقة لتتمم الدرس والموعظة للمسلمين : وقع الرعب فجأة في قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذي كان قد لمح المسلمين عن بعد ، أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم وصحبه قد جاؤوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينثروه فيما بينهم ، فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة ، وانطلقوا سراعا إلى مكة لا يلوون على شيء ! . . أما كيف داخلهم هذا الرعب الغريب من المسلمين ، وهم الذين كسروا شوكتهم ووضعوا السيف فيهم قبل ساعات فقط من الزمن ، فمردّ ذلك إلى الإرادة الإلهية التي جعلت من هذه الموقعة كلها درسا بليغا للمسلمين ، جمع بين كلا مظهريه الإيجابي والسلبي في آن واحد . وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحد نزول قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) [ آل عمران : 172 - 174 ] .