محمد سعيد رمضان البوطي
189
فقه السيرة ( البوطي )
مذهل ، وكان في مقدمة المبارزين والمقاتلين أبو دجانة ، وحمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير . وقتل مصعب بن عمير دون الرسول صلى اللّه عليه وسلم فأخذ اللواء علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وما هو إلا أن أنزل اللّه نصره على المسلمين فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون ، فتكلم الرماة الذين كانوا يرابطون على الجبل في النزول ، واختلفوا فيما بينهم ، فنزل كثير منهم ظنا منهم بأن الحرب قد وضعت أوزارها ، وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم ، وثبت رئيسهم عبد اللّه بن جبير مع عدد يسير قائلا : لا أجاوز أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله ، فكرّ راجعا بالخيل وتبعه عكرمة فحملوا على من بقي من رماة فقتلوهم وأميرهم ، وأخذوا يهجمون على المسلمين من الخلف « 1 » . ( ) وحينئذ انكشف المسلمون وداخلهم الرعب ، وأخذ المسلمون يقتتلون على غير شعار أو هدى وأوجع المشركون في المسلمين قتالا ذريعا حتى خلص إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرمي بالحجارة حتى رمي لشقه ، وأصيبت رباعيته - السن المجاورة للناب - وشج في وجهه ، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه وهو يقول : « كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ » وجاءت فاطمة رضي اللّه عنها تغسل عنه الدم وعليّ يسكن الماء بالمجن ، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلّا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك « 2 » . ( ) وأثناء ذلك شاع في الناس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قتل ، وكانت هذه الشائعة من أشد ما أدخل الرعب في قلوب بعض المسلمين ، وهي التي جعلت ضعاف الإيمان يقولون : فما مقامنا هنا إذا كان قد قتل الرسول ؟ وذهبوا يولون الأدبار ، وهي التي جعلت أنس بن النضر يقول : بل ما فائدة حياتكم بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم أشار إلى المنافقين وإلى ضعاف الإيمان قائلا : اللهم إني أبرأ إليك مما يقول هؤلاء ، وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء وانطلق فشد بسيفه على المشركين حتى قتل « 3 » . ( ) وتجلّى في هذه الأثناء مظهر رائع للتضحية والفداء ممن كانوا حول رسول اللّه
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد : 3 / 83 ، ورواه البخاري عن البراء في كتاب الجهاد 5 / 28 . ( 2 ) متفق عليه بألفاظ متقاربة . ( 3 ) متفق عليه .