محمد سعيد رمضان البوطي
186
فقه السيرة ( البوطي )
فمصدره ذات الشخص نفسه ، بقطع النظر عن تصرفاته وأعماله ، وهو ما ينهى عنه الإسلام . والغضب للّه ، ليس في حقيقته إلا نتيجة شفقة على العاصي أو الكافر المستحق لذلك ، إذ إن المؤمن من شأنه أن يحب لجميع الناس ما يحب لنفسه ، وليس شيء أحب إلى نفس المؤمن من أن يخلصها من عذاب يوم القيامة ويضمن لها السعادة الأبدية ، فهو إذ يغضب على العصاة والكافرين إنما يحمله على ذلك الغيرة عليهم ، والتأثر لما عرضوا أنفسهم له من الشقاء الأبدي وعقاب اللّه تعالى في الآخرة ، وأنت خبير أن هذا ليس من الحقد في شيء ، إلا إذا صح أن يكون غضب الأب على ابنه ، أو الأخ على أخيه من أجل مصلحته وسعادته حقدا . ولا ينافي هذا مشروعية القسوة في معاملة الكافرين في كثير من الأحيان فكثيرا ما تكون القسوة هي الوسيلة الوحيدة للإصلاح وهي النتيجة التي لا بدّ منها للشفقة والرحمة ، كما قال الشاعر : فقسا ليزدجروا ومن يك راحما * فليقس أحيانا على من يرحم كذلك ينبغي أن تعلم أن النهي عن موالاة الكافرين لا يستدعي جواز التساهل في تحقيق مبدأ العدالة معهم واحترام المعاهدات التي قد تكون قائمة بين المسلمين وبينهم ، فالعدالة ينبغي لها أن تكون مطبقة دائما ، وليس للكراهية والغضب في اللّه تعالى أن يقفا حاجزا دون تحقيق مبادئ العدالة يوما ما ، وفي ذلك يقول اللّه تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ [ المائدة : 8 ] . إنما المقصود أن تعلم أن المسلمين دون غيرهم أمة واحدة ، كما نصت على ذلك الوثيقة التي شرحناها فيما مضى ، وإذا كان كذلك ، فإن ولاءهم وتآخيهم ينبغي أن يكونا محصورين فيما بينهم ، أما معاملتهم فينبغي أن تكون قائمة مع الناس كلهم على أساس دقيق من العدل ورغبة الخير للجميع والدعاء للناس جميعا بالصلاح والرشد .