محمد سعيد رمضان البوطي

178

فقه السيرة ( البوطي )

وقال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [ الأنفال : 67 ] ، الآية . . « والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرّون عليه » . وقد يستعظم البعض نسبة الخطأ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، متوهمين أن الخطأ هو الإثم أو الانحراف أو نحو ذلك مما يتنافى مع العصمة الثابتة للأنبياء ، غير أن المقصود بالخطأ هنا عدم مطابقة اجتهاده صلى اللّه عليه وسلم لما هو الكمال الثابت في علم اللّه عز وجل . وهو لا يتنافى مع عصمته صلى اللّه عليه وسلم ، بل هو مثاب من اللّه تعالى عليه ، والناس مكلفون باتباعه في ذلك ما لم تنزل عليه آية تصرفه إلى حكم آخر شأنه شأن الحاكم إذا اجتهد ، وهكذا فإن اجتهاده صلى اللّه عليه وسلم فيما لم ينزل عليه وحي يتعلق به ، له طرف ناظر إلى الناس ، وطرف آخر يتعلق بعلم اللّه تعالى ، فأما اجتهاده بالنسبة للطرف الأول ، فلا يوصف بالخطأ البتة ، لأن الناس مكلفون باتباعه على كل حال كاتباعهم لسائر المجتهدين من بعده ، إذ لا سبيل لهم للاطلاع على الخفي الثابت في علم اللّه عز وجل ، وأما اجتهاده بالنسبة للطرف الثاني أي المتعلق بعلم اللّه عز وجل ، فخاضع لوصفي الصحة والخطأ ، إذ هو قابل لموافقة ما هو الكمال الثابت في علمه عز وجل ، لعدم موافقته له ، والكمال المطلق إنما هو للّه عز وجل ، ولقد كان عليه الصلاة والسلام يرقى في الكمالات متجاوزا المراحل التي كانت تبدو له نقصا وتقصيرا بالنسبة لما ارتقى إليه من بعد ، وكان يستغفر اللّه من تلبسه بها كاستغفارنا من الذنوب ، ويقول : « إنه ليغان على صدري فأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » . ثانيا : كما أن غزوة بدر هي أول تجربة للمسلمين في التضحية والقتال في سبيل اللّه تعالى وهم على ما كانوا عليه من الضعف والقلة ، فكذلك هي أول تجربة لهم في رؤية الغنائم والأموال أمامهم في أعقاب المعركة ، وهم على ما كانوا عليه من الفقر والحاجة ، وقد عالجت الحكمة الإلهية تجربة القتالة مع الضعف بأن ثبّت اللّه قلوبهم وطمأن نفوسهم - كما ذكرنا - بالخوارق الدالة على النصر . ثم عالجت الحكمة الإلهية تجربة رؤية الغنائم والأموال مع الحاجة والفقر ، بوسائل تربوية دقيقة ، جاءت في وقتها المناسب ، وقد تجلى أثر هذه التجربة في مشهدين ، على أعقاب هذه الغزوة ، أما المشهد الأول فحينما انهزم المشركون وتركوا وراءهم أموالهم المختلفة ، فقد تسابق بعض المسلمين إليها واختلفوا بعضهم مع بعض في كيفية استحقاقهم لها وكادوا يشتجرون على ذلك ، ولم يكن قد نزل بعد حكم توزيع الغنائم بين المقاتلين فراحوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام وينهون إليه خصومتهم في الأمر ،